منذ أشهر، كان الخطاب السياسي المسيحي، والماروني تحديداً، صريحاً وقاطعاً في الغرف المغلقة وفي اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين والدوليين: ممنوع دخول الجيش السوري إلى لبنان تحت اي ذريعة ومنها ذريعة نزع سلاح "حزب الله"، ولن نقبل بهذا السيناريو تحت أي صيغة كانت.
هذا الموقف الصارم، الذي تابعتُ خلفياته وسمعتُ تفاصيله منذ نحو عشرة أشهر، آثرتُ عدم نشره حتى تحققتُ منه سياسياً، فكتبتُ عنه بتاريخ 19 تموز/يوليو 2026 في مقال بعنوان "المسيحيون يرفضون التوغل السوري كما يرفضون الاحتلال الإسرائيلي". وما لبث أن جاء الخطاب الأخير للدكتور سمير جعجع، في ذكرى شهداء "القوات اللبنانية"، ليؤكد هذا الرفض الماروني المطلق لأي تدخل أو دخول عسكري سوري إلى الساحة اللبنانية.
وخلال الأسبوع الماضي، بدأت تتظهر أمامي إشارات متزايدة من خلال النقاشات المكثفة مع العديد من النخب السياسية المسيحية والمارونية، فضلاً عن الحوارات مع شخصيات لبنانية اغترابية من غير الشيعة؛ حيث لمستُ بوضوح تراجع القسوة في الخطاب والمقاربة تجاه الطائفة الشيعية.
وعلى الضفة المارونية، يتبلور قرارٌ جوهري—ينمو بتدرج وثبات—يتجاوز الحسابات الحزبية والسياسية الضيقة على الرغم من شدة الخلاف؛ قرارٌ تنطلق منه أولوية وطنية قاطعة: ابتداع آلية حقيقية تحفظ الكيان اللبناني برمته.
اليوم البحث ليس على من الحق، ومن معه حق، ولا ان كان الحزب سبب الحرب او الحرب اتخذت ذريعة من تدخل الحزب، فالذي يجري اليوم، ان منطقة المشرق العربي امام زلزال وجودي يحاكي تداعيات الحرب العالمية الاولى والثانية، فالمنطقة ذاهبة الى جغرافيا جديدة كليا.
فما يجري في المنطقة مرعب، وما هو قادم لا يعلمه او يعرفه احد، القصة ليست باغتيال الأرشيدوق 1914 ولا غزو بولندا 1939 ولا حتى طوفان الاقصى 2023 الامر مختلف كليا.
"يجب حماية الجغرافيا اللبنانية ووحدة الشعب اللبناني اولا واخيرا."
فالشيعة في لبنان ركنٌ أساسي أصيل، لا يحتاج إلى توصيف أو شهادة في لبنانيته ووطنيته. وإذا كان الصراع السياسي حول السلاح وقرار الحرب والسلم يمثل موضع خلاف لبناني داخلي، فإن محاولة إضعاف الشيعة وجودياً واقتصادياً أو دفعهم نحو الزوال، أمرٌ مختلف تماماً، ومرفوضٌ مارونياً ووطنياً بالكامل؛ لأن من شأنه القضاء على الكيان نفسه. فالحفاظ على الطوائف وتوازنها ودورها اليوم هو في جوهره الحفاظ على بقاء لبنان.
إن ما يتعرض له الشيعة اليوم تجاوز حدود المخاطر الديمغرافية والجغرافية أو الميدانية في الجنوب؛ فالأمر أعمق وأكثر تعقيداً على المستوى الوطني الإجمالي.
فالشيعة بالاقتصاد: تُشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2022 إلى أن تحويلات المغتربين اللبنانيين شكلت نحو 37.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتؤكد دراسات إضافية أن الأموال المنقولة نقداً تتجاوز 9%، مما يجعل التدفقات المالية الوافدة تشكل زهاء نصف الاقتصاد اللبناني. وفي هذا الصدد، تُسَجَّل للطائفة الشيعية الحصة الأكبر من هذه التحويلات والأموال المنقولة.
وتُبرز هذه الأرقام الدور المحوري الحاسم الذي تلعبه هذه التدفقات المالية في إبقاء الشريان الاقتصادي اللبناني حياً، والحفاظ على توازنه الصامد رغم تفاقم الأزمات وتعدد أوجه الانهيار.
وسياسياً، لا يختلف المشهد عن الواقع الاقتصادي. لقد ساهم الشيعة، بشكل مباشر وغير مباشر، في خلق دينامية جعلت من لبنان محط اهتمام فاعل على الساحتين الدولية والعربية. فالدول التي كانت تسعى لمواجهة "حزب الله" وإضعافه، كانت تنشط بقوة في الداخل اللبناني، مما كان يمنح الخصوم والحلفاء على حد سواء فرصة أوسع لفرض الشروط، ورفع المطالب، واستثمار البدائل المتاحة. أما اليوم، فيلاحظ الجميع غياب هذا الاهتمام الدولي والإقليمي وتراجعه إلى حدود الإنكفاء شبه التام، حيث اقتصر التواصل الخارجي مع بعض القيادات اللبنانية على النقاشات التقليدية، مع فتور كبير بالكلام عن دعم المعارك السياسية والشعبية لتثبيت التوازنات.
لقد بات الجميع ينأى بنفسه عن لبنان باعتباره بلداً منكوباً؛ وأي بحث دولي فيه يُلزم القوى الخارجية بتقديم مساعدات ضخمة لا ترغب في تحمّلها في ظل الأوضاع القاسية وتداعيات الحرب المدمّرة بالمنطقة.
حتى على المستوى الداخلي، انسحبت هذه الحالة على الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية التي بدأت تعيد تنظيم أولوياتها؛ حيث تراجع دعم الإعلام، وتوقفت الكثير من المساعدات، وانحصرت العلاقات السياسية بالنخب والشخصيات ذات الوزن النوعي القادرة على إحداث الفارق، بدلاً من التجمعات الشعبية التي باتت تستنزف المقدرات المادية الشحيحة. كما انحسر حضور النواب والسياسيين عن المشهد الشعبي المباشر بسبب المأساة الاقتصادية الضاغطة وعجزهم عن تلبية المتطلبات أو تغيير المعادلة القائمة.
كما أدركت الكثير من القيادات اللبنانية بان العواصم الغربية وحتى بعض الدول العربية لم تكن كما تصوروا في البدايات، فتركوا لبنان يواجه قدره، ولم تعد "الوصفات" المقدمة تتجاوز مسكنات العطار والدعوات بالشفاء!
ويوصف أحد المتابعين هذا الواقع بدقة قائلاً: "إن المشهد أشبه بمريض مصاب بالسرطان، يكتفي الآخرون بنصيحته بالابتعاد عن الزيوت والدخان وممارسة اليوغا ضبطاً للنفس، أما العلاج فمرتبط بالقدر وبما يبعثه الله!".
من هنا، فإن العقلانية والمسؤولية الوطنية تفرضان اليوم حقيقة قاطعة: إن الأولوية القصوى والأنبل هي حماية لبنان عبر حماية المكون الشيعي وجودياً واقتصادياً وكيانياً، أما الحساب والتباين اللبناني - اللبناني فمكانُه لاحقاً.