يروي جنوبيون، مسؤولون وفاعليات وكثير من المواطنين، ما رأوه ويرونه من ممارسات يقوم بها العدو الإسرائيلي في المناطق التي يحتلها في الجنوب، وكيف أنّه حوّلها إلى رماد ومناطق منكوبة بالكامل نتيجة التدمير الممنهج لكل المساحة العمرانية من بيوت ومحال تجارية ومدارس ومستشفيات وشبكات مياه ومراكز دينية وغيرها، وجرف أحياء بكاملها، وإحراق أراض زراعية بعد رشّها بمبيدات سامة ستجعل عودتها إلى الحياة واستصلاحها أمراً بالغ الصعوبة، ويحتاج إلى جهود وأموال ومرحلة زمنية طويلة من الإنتظار قبل أن تعود كما كانت قبل العدوان الإسرائيلي عليها.
ولا يخفى أنّ الأهداف من اتّباع العدو الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها في الجنوب اللبناني كثيرة، من أبرزها إبعاد مقاتلي المقاومة عن الحدود الشّمالية لدولة الكيان مسافة لا تقلّ عن 10 كيلومترات على أقل تقدير، تحت شعار تأمين هذه الحدود، ومنع السّكّان من العودة إلى هذه المناطق الحدودية التي حوّلها العدو إلى أطلال وركام بما يسمح له، مستقبلاً، بتحويلها إلى مناطق تشكل عازلاً أمنياً له كما يُعبّر مسؤولون في دولة الكيان بشكل متكرّر في الآونة الأخيرة.
هذه السّياسة العدوانية التي يتّبعها العدو الإسرائيلي منذ نشأة كيانه في العام 1948 تجاه لبنان أخذت أشكالاً وأنماطاً مختلفة، لكن في كلّ مرّة كانت تبرز مقاومة له تأخذ بدورها أيضاً أشكالاً وأنماطاً مختلفة كانت تحبط مخطّطاته العدوانية والتوسعية وتصيبها بفشل كبير، وتدفعه إلى الإنسحاب مجبراً من الأراضي اللبنانية المحتلة كما حصل بعد اجتياح العام 1982 وإقامته بعد ذلك حزاماً أمنياً في الجنوب والبقاع الغربي إستمر حتى العام 2000 عندما حرّرت المقاومة هذه المناطق ودحرت جيش الإحتلال بعيداً.
في كلّ مرّة كان العدو الإسرائيلي يعتدي فيها على لبنان كان يتوهّم أنّه حقّق أهدافه من وراء هذا العدوان، أمنياً وعسكرياً من خلال احتلاله أراضٍ إستعادتها المقاومة منه في أوقات لاحقة بفعل ضرباتها الموجعة له، وسياسيا لما سعى لانتخاب رئيس للجمهورية موالٍ له في العام 1982 أتى على متن دباباته، وفي اتفاق 17 أيّار في العام 1983 الذي سقط وجرى إلغاؤه في العام التالي، وصولاً إلى اتفاق الإطار الذي وُقّع في 26 حزيران الماضي وقوبل باعتراضات واسعة في الداخل إلى حدّ وصفه فيه كثيرون بأنّه وُلد ميتاً، وهو ما أثبتته الإستحقاقات في الأيّام التالية.
طوال تلك السّنين لم يتعظ العدو الإسرائيلي من قاعدة أساسية وبديهية هي أنّه طالما هناك احتلال لأرضٍ ما فستكون هناك مقاومة لتحريرها من المحتلّين، وهذه المرّة لن تكون مختلفة عن سابقاتها، فكما احتل العدو الإسرائيلي أرضاً لبنانية مراراً فقد جرى تحريرها لاحقاً بفضل المقاومة، على اختلاف مكوناتها وقدراتها، وهذه المرّة لن تكون مختلفة عن المرّات السابقة، وسيكون العدو الإسرائيلي مخطئاً إذا توهّم غير ذلك، أو إذا ظنّ أنّ بطشه أو جبروته وقوته العسكرية الضخمة ستحول دون ذلك، أو أنّ الذين لم يرفعوا له الراية البيضاء طيلة السنوات الماضية والتضحيات الهائلة سيرفعونها له اليوم.