كتب جو رحّال في نداء الوطن
يستعدّ لبنان لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر في زيارة تحمل طابعًا استثنائيًا، روحيًا وسياسيًا، في لحظة يعيش فيها البلد توترًا أمنيًا متصاعدًا بفعل الخروقات والغارات الإسرائيلية المتكرّرة. هكذا يجد اللبنانيون أنفسهم بين حدثٍ جامع يرمز إلى الرجاء والسلام، وبين واقع حدودي يقف على حافة انفجار محتمل.
تمتدّ الزيارة من 30 تشرين الثاني إلى 2 كانون الأول، وتشمل لقاءً رسميًا مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، قدّاسًا حاشدًا في وسط بيروت، محطة في مرفأ العاصمة للصلاة عن ضحايا 4 آب، ولقاءات مع المرجعيات الروحية الإسلامية والمسيحية. وهو برنامج يعكس رغبة فاتيكانية واضحة في أن تكون الزيارة رسالة دعم معنوي للبنان في أصعب مراحله، وتذكيرًا للعالم بأن هذه الأرض ما تزال مساحة للعيش المشترك رغم الجراح والانقسامات.
الفاتيكان أصرّ على تنفيذ الرحلة رغم التحفظات الأمنية، انطلاقًا من قناعة بأن لبنان هو «"بلد الرسالة" وأن حضوره الروحي يتجاوز أزماته السياسية والاقتصادية. ويأتي البابا إلى بيروت في وقت تتسع فيه المخاوف الإقليمية من تحوّل لبنان مجددًا إلى ساحة اشتباك مع إسرائيل، التي وثقت الأمم المتحدة آلاف خروقاتها الجوية والبرية منذ وقف إطلاق النار الأخير. الغارة التي استهدفت الضاحية الجنوبية وأدّت إلى مقتل قيادي بارز في "حزب الله" أعادت التوتر إلى الواجهة، وطرحت أسئلة حول قدرة التفاهمات الهشة على الصمود، في ظلّ إصرار تل أبيب على مواصلة سياسة الاستهداف "الموضعي".
البابا من جهته وجّه دعوة مباشرة للطرفين لخفض التصعيد واحترام القانون الدولي، محذرًا من تحويل لبنان إلى مسرح جديد للصراع. وهي رسالة تتجاوز الإطار الروحي إلى البعد السياسي، خصوصًا أن الفاتيكان يدرك حساسية التركيبة اللبنانية وهشاشة الدولة أمام تراكم الأزمات.
على المستوى الداخلي، تتحمّل المؤسسة العسكرية بقيادة العماد رودولف هيكل العبء الأكبر في تأمين الزيارة. وللواء الحرس الجمهوري الحصّة الأكبر من الإجراءات المتخذة، إذ سينتشر عناصره من مداخل قصر بعبدا وصولًا إلى نقاط بعيدة ضمن نطاق الزيارة ومسارات التنقل وكما انتشرت وحدات الجيش على امتداد خطوط المطار والطرق الرئيسية ومحيط المرفأ والواجهة البحرية، في تأكيد عملي أن الدولة لا تزال قادرة على فرض حضورها وضمان الأمن متى توفرت الإرادة والدعم الدولي. وهي نقطة تحمل رمزية كبيرة في ظلّ النقاش الوطني حول دور الدولة، وحصرية السلاح، ومستقبل السيادة اللبنانية.
سياسيًا، تضع الزيارة القوى اللبنانية أمام امتحان توحيد خطابها. فزيارة بهذا الحجم ليست مجرّد مناسبة بروتوكولية، بل فرصة لطرح ملفّ السيادة والخروقات الإسرائيلية على طاولة المجتمع الدولي، وتعزيز الدعم للجيش باعتباره المؤسّسة الشرعية الوحيدة القادرة على حماية البلاد. كما تشكّل مناسبة لإعادة التأكيد أن لبنان يحتاج إلى مظلّة استقرار دولية تمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
غير أن الأبعاد الإنسانية للزيارة لا تقل أهمية عن بعدها السياسي. صلاة البابا في المرفأ ولقاءاته مع اللبنانيين من مختلف الطوائف تُعيد تظهير الوجه الحقيقي للأزمة: شعب محاصر بالانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لكنه ما زال يتمسّك بالعيش المشترك وبروح الصمود.
ويبقى السؤال: هل ستشكّل زيارة البابا رافعة دولية لتثبيت وقف إطلاق النار وضبط الخروقات؟ أم ستبقى لحظة رمزية تُغرقها التطورات العسكرية في الجنوب؟
لبنان اليوم أمام فرصة نادرة ليقول للعالم إن السلام خيار وطني قبل أن يكون شعارًا. فرصة ليؤكد أن قوّة المنطق قادرة على أن تتغلّب على منطق القوّة، إذا أراد اللبنانيون ذلك فعلًا.
The post زيارة البابا إلى لبنان.. رجاءٌ كبير وقلق ما بعد الرحيل appeared first on Lebtalks.