وضع ملف التعيينات القضائيّة على نار حامية بعد إقرار التعيينات الأمنية والعسكرية الأساسيّة. في الكواليس، يتشاور المعنيون في الملف حول الأسماء المرشحة لتولي المناصب القضائية الشاغرة. وشهدت الساعات الأخيرة مباحثات مكثفة، تركز فيها النقاش حول الأسماء المقترحة لمنصب المدعي العام الماليّ. وعلم أن الاتفاق لم ينته بعد بين الرئاستين الأولى والثانية وهناك جولة مباحثات إضافية الأسبوع المقبل.
تشمل المرحلة الأولى من التعيينات ملء الشغور في أعلى المراكز القضائيّة، على أن تساهم هذه التعيينات في حلّ أزمة مجلس القضاء الأعلى، العاجز عن متابعة عمله نتيجة انتهاء ولاية خمسة من أعضائه، فهو يتألف من (رئيس المجلس وهو الرئيس الأول لمحكمة التمييز، المدعي العام التمييزي وهو نائب رئيس مجلس القضاء، رئيس هيئة التفتيش القضائي وهو العضو الثالث الحكمي)، ويعين خمسة أعضاء بمرسوم من مجلس الوزراء، ويجرى انتخاب اثنين من قبل رؤساء ومستشارين من محكمة التمييز.بعد معالجة وضعية مجلس القضاء الأعلى، يتولى الأخير مهمة التشكيلات القضائيّة الجزئية، وتُعقد بعدها اجتماعات مكثفة بين أعضاء المجلس لتحضير لائحة التشكيلات القضائيّة الشاملة بالمرشحين إلى المراكز الشاغرة. ويؤكد مصدر قضائيّ لـ"المدن" أن "التشكيلات الجديدة ستنطلق من لائحة التشكيلات الأخيرة التي توقفت منذ ست سنوات نتيجة الخلافات السياسيّة". خلافات سياسيّةومن أولى التعيينات وأكثرها تعقيداً وحساسية، موقع المدعي العام المالي الذي يشغله حالياً القاضي الذي يُحال على التقاعد في العاشر من نيسان المقبل، بعدما فشلت محاولات التمديد لمهامه وأبطل المجلس الدستوري في كانون الثاني الماضي قانون تمديد ولاية أعضاء مجلس القضاء الأعلى وتأخير تقاعده والقاضي جمال الحجار.
ويشهد هذا المركز اختلافاً في الآراء بين الرئاسات الثلاثة حول اسم المرشح لخلافة القاضي إبراهيم. والمتعارف عليه أن المدعى العام المالي من أهم المراكز القضائية، فالنائب العام المالي يشغل أيضًا العضوية الحكمية في لجنة التحقيق في مصرف لبنان، ورئاسة صندوق تعاضد القضاة. ويفترض بالمرشح لتولي المنصب أن يكون من الطائفة الشيعية ما يعني حكماً ، وبالعرف أيضاً، أن يعود القرار بتسميته إلى الثنائي الشيعي، والرئيس نبيه بري على وجه الخصوص.
داخل قصر عدل بيروت، يجري التداول بأن الاختيار سيقع على إسم من بين أسماء القضاة ماهر شعيتو، زاهر حمادة، حبيب مزهر . وحسب مصادر "المدن" يصرّ بريّ على تسمية القاضي زاهر حمادة الذي يتحفظ على تعيينه رئيس الجمهورية. وحمادة هو المحقق العدلي في قضية هانيبال القذافي (ابن الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي) الذي لا يزال محتجزًا داخل السجون اللبنانيّة منذ العام 2015. من وجهة بري فإن إدارة حمادة للملف تستأهل تزكية تعيينه لكن وجهة أخرى تقول إن تعيينه سيتسبب باحراج للدولة أمام المجتمع الدولي الذي طالب مرارًا بالإفراج عن نجل القذافي".
بالمقابل يتم تقييم حظوظ القاضي ماهر شعيتو، على خلفية قضية القروض السكنية التي استفاد منها خلال الأزمة الماليّة. مرشح شعيتو ليكون عضواً في مجلس القضاء الأعلى مع الحفاظ على مركزه الحاليّ رئيسًا للهيئة الاتهاميّة في بيروت.أما الاعتراض على القاضي حبيب مزهر فلكونه لم يشغل طيلة مسيرته القضائيّة موقعاً على صلة بالقضايا الجزائية داخل القضاء العدلي، واقتصر عمله على المواضيع ذات الطابع المدني. بينما يحتاج منصب المدعي العام الماليّ إلى قاض يملك الخبرة الكافية بالقضايا الجزائيّة، لأن مهامه ترتبط بشكل مباشر بقانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات اللبناني. استمرار النقاشاتوفي ما يتعلق بمنصب مدعي عام التمييز فعلمت "المدن" أن اجتماعات عقدت داخل قصر عدل بيروت بين رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود ووزير العدل أمين نصار للنقاش حول منصب المدعي العام التمييزي. وحسب معلومات "المدن" فإن عبود يفضل تثبيت الحجار وفي حال عدم موافقة مجلس الوزراء، سيطرح اسم القاضي ربيع حسامي لتولي المنصب. الأسماء المتداولة
القرار النهائي لم يتخذ بعد بهذا الشأن. وأسماء غيره يتم التداول بها في أروقة العدلية ربطاً بتوازنات القوى السياسية والطائفية لكل قاض. وهنا أيضاً يبرز اسم وزير الداخلية السابق بسام المولوي. الساعي لتعيينه في هذا المنصب، وقام بعدة زيارات رسميّة مبدياً جهوزيته لتولي المسؤولية.وليس محسوماً استبدال الحجار بقاض آخر، وقد يصار ألى تثبيته في موقعه حتى تاريخ إحالته إلى التقاعد في نيسان العام 2026. الموضوع لا يزال قيد التشاور. المأخذ لاستمراره يرتبط بمسقط رأسه، بلدة شحيم المتربعة على عرش المناصب السياسيّة والأمنية، ومن المدير العام للأمن العام رائد عبدالله، إلى وزير الداخلية أحمد الحجار، والقاضي أيمن عويدات الذي يرجح تعيينه رئيسًا للتفتيش القضائي. كما أن تثبيته سيتطلب بعد عامٍ إجراء تعيينات جديدة لاختيار من سيخلفه.
تعيينات قضائية تتم هندستها سياسياً على مقياس السياسيين، ويجري النقاش بشأنها في صالونات القوى السياسية أكثر مما هي محصورة بدوائر المعنيين في قصر العدل. ويبقى انجازها مهدداً بتراجع الاتفاق على المدعي العام المالي الذي يمكن أن يفجر هذه التعيينات أو تركن السلطة إلى إصرار بري على تعيين القاضي حمادة وهذا ما سيتوضح في الأيام القليلة المقبلة.