ما سُمّي في 6 الجاري، إختراقاً أوكرانياً للحدود الروسية في منطقة كورسك، اتضح في ما بعد أنه عملية عسكرية متقنة التخطيط والتنفيذ، لم يتوانَ البعض عن وصفها نقطة تحول في الحرب الأوكرانية. كثيرون كانوا يتوقعون نهاية سريعة للعملية، على غرار الخروق البرية العديدة التي كانت تقوم بها أوكرانيا، ثم سرعان ما تنسحب القوات التي نفذتها، بعد أن تسجل ضرب أهداف عسكرية روسية ثانوية. وكانت أوكرانيا تنسب هذه العمليات إلى المتطوعين الروس الذين يقاتلون إلى جانبها، وتتوخى منها تسجيل نقاط على الجيش الروسي ترفع معنويات المقاتلين الأوكران، وتثبت للحلفاء الغربيين قدرتها على مجابهة الغزو الروسي، وتحثهم على مدّها بالمزيد من السلاح والمال.شبه اللامبالاة الظاهرية التي اتسم بها ردّ الفعل الروسي الأول، نجحت في جعل البعض يستمر بالإعتقاد بظرفية العملية الأوكرانية وعاديتها. لكن الواقع على الأرض الذي أسفرت عنه العملية ـــ أي إحتلال مساحة من الأراضي الروسية توازي ما احتلته موسكو من الأراضي الأوكرانية منذ مطلع السنة الحالية، ونزوح حوالى 133 ألف روسي من اماكن إقامتهم ـــ اضطر روسيا للتخلي عن التظاهر باللامبالاة وإيهام الروس بأن الأمر لا يستحق القلق. وتتناقل وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة ما يشير إلى أن المسؤلين الروس، بمن فيهم بوتين، أخذوا يصرحون بأن الحرب في كورسك قد تطول لأشهر، وأكثر.وعلى الرغم من أن بوتين وسواه من المسؤلين يتوقعون حرباً لأشهر في كورسك، كان من المستغرب أن يجد بوتين الوقت مناسباً، ليس لزيارة كورسك ودعم جنوده الذين فروا من المواجهة مع الأوكران، بل لزيارة أذربيجان. بل وجد الوقت مناسباً أيضاً ليقوم بجولة في القوقاز الشمالي، يعرج خلالها على مدرسة مدينة بيسلان ويضع الزهور على ضريح مئات ضحايا مجزرة 2004، والتي لم يزرها منذ وقوع المأساة قبل 20 سنة.موقع الخدمة الروسية في قناة "الحرة" الأميركية، نقل في 21 الجاري، عن موقعين إعلاميين روسيين معارضَين حديثهما عن توقع المسؤولين لحرب طويلة في كورسك. موقع Meduza نقل عن مصادره المقربة من ديوان الرئاسة والحكومة، قولها أن الكرملين يعتبر أن المعارك في كورسك ستستمر بضعة أشهر. وتسعى السلطات إلى إقناع الروس بأن الوضع الراهن هو "حالة طبيعية مستجدة". وتقول المصادر أن النخب الروسية أصيبت بالصدمة في بداية عملية الجيش الأوكراني في كورسك. لكن بعد مرور أسبوعين، زالت الصدمة، وحل مكانها "التعود".ويشير موقع Meduza إلى أن "مؤسسة الرأي العام" المرتبطة بالسلطة أجرت حديثاً إستطلاعاً للرأي العام، أظهر ازدياد مشاعر القلق في المجتمع الروسي بنسبة 6% فبلغ 45%. لكن ديوان الرئاسة يعتبر أن المؤشر مرتفع كثيراً، ويأمل بانخفاضه قريباً. وجميع من شملهم الإستطلاع من المسؤولين واثقون من أن المعارك في منطقة كورسك قد تستمر بضعة أشهر. ولتسريع خفض القلق في المجتمع بسبب الهجوم الأوكراني في كورسك، يحاول الكرملين بواسطة البروباغندا تهيئة الروس للعيش في ظل "الواقع المستجد" و"الحالة الطبيعية الجديدة". ويرى المتخصص في الإعلام الذي يتعاون مع القسم المولج بالقضايا الداخلية في ديوان الرئاسة، أن منطق مقاربة الكرملين هذه يستند إلى حقيقة أن الشذوذ عن القاعدة صعب، بينما يسهل العيش في ظلها. ولذلك يقترح الكرملين إقناع الروس بأن العدو تنتظره "هزيمة حتمية"، لكن استعادة الأرض تحتاج إلى الوقت، وعلى الروس أن يتحلوا بالصبر.تشير مصادر الموقع المعارض إلى أن النخب الروسية تنتظرر إستقالات بين المسؤولين عن الإختراق الأوكراني. ويقول الموقع الروسي المستقل Verstka أن القوات الأوكرانية تمكنت من إختراق الحدود في كورسك بسبب الخطأ في حسابات القيادة الروسية والفساد وغياب الدفاعات. وينقل الموقع عن أحد المصادر أنهم ينتظرون في الحكومة دعاوى جنائية مرتبطة بفشل الدفاعات. وقصة كورسك تثير إستياء الكرملين الشديد، فلم يتم إطلاعه في الوقت المناسب عن وجود خطر إختراق العدو، ولذا الكل مشدود الأعصاب ويلقي المسؤولية على غيره ـــ العسكريون على المخابرات، والمسؤولون في منطقة كورسك على العسكريين.تقاذف المسؤلية بين مجموعات السلطة في الأنظمة التسلطية، كما في نظام بوتين، ظاهرة عادية في ظل مصادرة حرية الإعلام والإنتخابات الحرة. وعملية التقاذف هذه لا تزعج رأس الهرم في السلطة، بل يستخدمها لصالحه. وحين تقترب الشبهة من موقعه، يسارع إلى تحميل الخارج، أي خارج، المسؤولية عما وقع من أمر خارج عن يوميات الأحداث شبه المبرمجة. فليس من المستغرب أن يلقي الكرملين الآن المسؤولية عن عملية كورسك الاوكرانية، على الغرب الذي يخوض ضده صراعاً مستميتاً عبر أوكرانيا.في 19 الجاري، نقلت وكالة "تاس"، عن وزير الخارجية سيرغي لافروف، قوله بأن زيلينسكي لم يكن ليجرؤ على مهاجمة منطقة كورسك من دون تكليف من الولايات المتحدة. ورأى أن زيلينسكي قرر أن يقيم في كورسك منطقة عازلة بتكليف من الولايات المتحدة. وقال بأن وزارة الدفاع تقدم دورياً تقاريرها إلى الرئيس بوتين عن الوضع العسكري في كورسك. أما في ما يتعلق بالجانب الخارجي للقضية، فـ"اللص" (الأميركي) مكشوف منذ فترة طويلة. ورأى أن تبريرات الجانب الأوكراني بشان من أعطى الضوء الأخضر للعملية تشبه "لغو الأطفال".وكالة "نوفوستي" نشرت في 19 الجاري، نصاً تحدثت فيه عما تريده فعلياً الولايات المتحدة من منطقة كورسك. استهلت الوكالة نصها بالقول أن منطقة كورسك تواصل ضغطها على أماكن "وجعنا"، وأضافت: "مهما تملص السادة الغربيون من الأعمال الإرهابية لأتباعهم الأوكران (منذ البداية اعتبرت روسيا أن عملية أوكرانيا العسكرية في منطقة كورسك هي عملية إرهابية، وكلفت جهاز الأمن الفيدرالي بتولي الإشراف على كافة العمليات الهادفة إلى إنهاء الإحتلال الأوكراني)، كل العالم يرى أن الأوكران يقصفون أراضينا بالصواريخ الأميركية والبريطانية. كما أن صفوفهم مليئة بالمرتزقة الأجانب". لكن الأمر الأخطر، برأي الوكالة، هو أن الهجوم الأوكراني عمل المخططين الغربيين.تصف الوكالة الهجوم الأوكراني بالعمل التخريبي أيضاً، وتقول بأنه ينسجم كلياً مع المفهوم الإسترايجي للأميركيين، ما "جعل كلفة الحرب ليست بمتناول روسيا". وقصف مؤخرات الجبهات العسكرية وأعمال التخريب الواسعة على حدود روسيا المعترف بها دولياً، فكرة كانت تنضج طوال السنة الماضية متمثلة في القصف بالصواريخ، مرة مدينة بيلغورود، وأخرى مدينة شيبيكينو.وترى الوكالة أن الإستراتيجية هذه دخلت طريقاً مسدوداً. فالأوكران يستسلمون جماعات جماعات أو يُقتلون في غابات كورسك. وقد فشلوا حتى الآن في إحراز أي شيء، لا الوصول إلى محطة كهرباء كورسك النووية، ولا سحب روسيا تشكيلاتها العسكرية من الجبهة.بعد تأكيدها على فشل الهجوم الأوكراني، تقفز الوكالة إلى جبهة الدونباس، وتنقل عن صحيفة "نيويورك تايمز" قولها بأن هجوم الروس في القطاعات الأخرى من الجبهة قد ارتفعت سرعته، وبلغوا مدينة كراسنومايسكون، والإستيلاء على هذه المدينة يفتح الطريق نحو الغرب الأوكراني. وتقول بأن الصحافيين يعتبرون عملية الأوكران في كورسك مغامرة غير مدروسة. لكنها تتساءل ما إن كان يمكن تصديق هؤلاء الصحافيين، وتستنتج من كلام هؤلاء الذين تشكك في صدقيتهم، أن الولايات المتحدة من الواضح أنها لا تريد الإنخراط في مخطط زيلينسكي، إلى أن يحقق الجيش الأوكراني شيئاً ما. لكنها ترسل الآن هؤلاء الصحافيين إلى منطقة كورسك (تحذر الوكالة الصحافيين من أنهم معرضون لدخول السجن في روسيا لاختراقهم حدودها الدولية)، وتحتفل بالنجاح، وإن كان محدوداً. ويشير هذا إلى أن الأميركيين يريدون البناء على هذا النجاح.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية