2026-10-30
بث مباشر
إعلان
عاجل وول ستريت تغلق على انخفاض مع تجدد مخاوف الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي   •   فرنسا: نشر 70 ألف شرطي لمواجهة احتجاجات يوم الهالوين   •   إشكال وإطلاق نار داخل مستشفى.. إليكم التفاصيل   •   إيطاليا.. مقتل 4 أشخاص في تحطم هليكوبتر تابعة لبعثة أوروبية في البوسنة   •   الصحة العالمية: الدول الأعضاء تقترح 7 مرشحين لمنصب المدير العام الجديد   •   أمريكا تقرض 16.75 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط لشركات   •   رئيس وزراء اليونان: الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا غير قانوني وباطل ولاغ   •   الجميّل يطّلع على عمل القوة السيارة ويشدد على دعمها   •  
المتفرقات

"الباكيتان" لرامي الأمين... لبنان على هوى التماثيل

ال

المدن

24 آب 2024

إعلان
كثر يجهلون قصة تمثال "الباكيتان" للنحات يوسف الحويّك، صديق جبران، وقريب المطران الياس الحويك، الموجود عند مدخل قصر سرسق، ويعتبر أحد أبرز معالمه الثابتة. وكثرٌ لا يعرفون أنّ التمثال كان في ساحة البرج أو ساحة الشهداء أو البلد، قبل أن يُنقل إلى باحة القصر.وتشرح لوحة التمثال باقتضاب، قصة التمثال، بعد أن تشير إلى تاريخ مفصلي: "السادس من أيار 1916"، اليوم الذي أُعدم فيه 16 معارضاً للحكم العثماني. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومع إعلان تأسيس دولة لبنان الكبير في 1 أيلول 1920، تأسست لجنة عُرفت بـ"عصبة تكريم الشهداء"، كان هدفها تنظيم احتفال رسمي سنوي تكريماً للشهداء، وعلى هذا، طلبت اللجنة من سلطة الانتداب الفرنسية تعيين تاريخ 6 أيار عيداً رسمياً للشهداء، لتُفاجأ برفض المفوّض السامي لاقتراحها، معيّناً الاحتفال في الثاني من شهر أيلول. وتقول المعلومات الواردة في اللوحة إن التمثال أنجز بطلب من سلطات الانتداب الفرنسي في العام 1930، التي "كلّفت النحات اللبناني الأبرز في تلك الحقبة بابتكار منحوتة تخلّد أولئك الشهداء، فكانت منحوتة الباكيتان التي ظهرت في 19 كانون الأول، في الذكرى السنوية العاشرة لإعلان دولة لبنان الكبير".جنائزية فينيقيةوالتمثال الذي بلغ طوله مع قاعدته، ستة أمتار، يتشكل من "امرأة مسيحية وأخرى مسلمة تجلسان متقابلتين، وتمدّان أيديهما إلى جرّة جنائزية تشير إلى استشهاد ابنيهما". وما بينهما يرمز إلى "ماضي لبنان الفينيقي، حيث كانت تشيع ممارسات حرق الجثث". من مقالع جلّ الديب، أُحضر الحجر الذي سيُعمل فيه الحويّك مطرقته وإزميله، فصاغ بالحجر امرأتين، وكتبت جريدة "المعرض" آنذاك في صفحتها الأُولى: "كلّه من الأرض اللبنانية: صلصاله لبناني، حجره لبناني، نحاتُه لبناني، وفكرته احتوتها مخيلة لبنانية". والتمثال استوحاه الحويّك من تمثال فرنسي، وكان قد عاش فترة في باريس. واكتشف الباحث فارس ساسين، في زيارة له إلى العاصمة الفرنسية، أن التمثال يكاد يكون نسخة من نصب فرنسي لشهداء الحرب العالمية الأولى، قرب التروكاديرو، وقد التقط له صورة تظهر التشابه الكبير بينه وبين تمثال يوسف حويك، غير أن النسخة اللبنانية تجعل من إحدى السيدتين الباكيتين محجبة للدلالة على أنها مسلمة والثانية مسيحية، وهما تنتحبان معاً على قبر يمثل الشهداء.
لم ينل نُصب الحويّك استحسان المسؤولين في السلطة اللبنانية ولا رضى بعض اللبنانيين، واختلطت "المصالح الخاصة والمواقف السياسية ووجهات النظر الفنية المتنوعة. منهم من رأى جموداً في التمثال يجعله يشبه الرسم الفرعوني الى حد بعيد"(جنى نصرالله). بل إنه أغضب عصبة تكريم الشهداء، فمعظمهم اعتبر أن الدموع تمثل "الضعف والخنوع" في حين أن هؤلاء الشهداء "أبطال"، ولم يتوقف غضب العصبة عند ذلك، إذ أقدم احد أعضائها، سامي سليم، على تحطيمه في أيلول 1948، محاولاً إزالته بنفسه، فنجح بكسر أنف تمثال إحدى السيدتين. فوصفت صحف تلك الأيام، سليم، بأنه "مختلّ عقلياً". لكن في الواقع، كان سليم عضواً في العصبة وصحافياً وأستاذاً جامعياً، وقد اعتبر أن التمثال لا يمثل رمز الشهداء، فقرر تحطيمه في محاولة منه لدفع السلطة إلى إزالته من تلك الساحة. سقط من كتابَي غسان تويني وسمير قصير
ويبحث رامي الأمين في كتابه "الباكيتان"(دار النهضة) في سيرة التمثال وتشعباته من كل جوانبه، السوسيولوجية والسياسية والفنيّة والأرشيفية، وعن مهاجمه سامي سليم وهويته، إذ يبدو أنّ ذِكر الرجل يسقط عمداً في مواضع كثيرة، بينها أيضاً كتاب عن ساحة "البرج" أعدّه غسان تويني وفارس ساسين ونُشر العام 2000، وهو يحكي حكاية التمثال والاعتراضات عليه وضربه بالمطرقة، من دون أي ذِكر لسامي سليم ودوافعه وحكايته، وكذلك يسقط الرجل من كتاب "تاريخ بيروت" لسمير قصير. ويسأل الأمين: لماذا استفزّ هذا "الأثر" مجموعة من اللبنانيين رأت فيه ذلاً وخنوعاً؟ ولماذا ثار عليه سامي سليم، وحاول تحطيمه بمطرقته؟ ولماذا قال فيه فؤاد سليمان، الصحافي والكاتب الشهير ذو الخلفية القومية السورية، أنه "حجر منحوت للعبيد، جاحظ كريه، فيه أثر السياط التي ألهبت ظهورنا! وفيه تمريغ الجبهة المكسورة، وفيه إرادة أرادوها هكذا... مقهورة ذليلة".يجيب الأمين: "المسألة محيّرة، إذ إن العنصر الوحيد في التمثال الذي قد يشكّل استفزازاً لـ"الوطنيين"، هو أن سلطات الانتداب هي التي كلفت يوسف الحويك بتنفيذه. أو قد يكون العنصر "الفينيقي" فيه (المرمدة)، شكّل حساسية للقوميين السوريين، أو القوميين العرب. مع أن ناحته، الحويّك، كان ذا ميول قومية عربية أيضاً، وكان مع ثورة فيصل الأول (الذي كان يعدُّ في عشرينيات القرن العشرين بطل القومية العربية الأول! وفي هذه المنحوتة، كما يقول الناقد نزيه خاطر، "سكون حزين منساب مأسوياً في المرأتين المتقوقعتين على داخل عواطفهما والمجتمعتين في نصب الشهداء من دون دمع أو بكاء أو عويل، كأنه للتعبير عن البطولة، بطولة معادية للعثمانية، بطولة يوسف الذي كان مع ثورة الملك فيصل". ولا يقتصر "التغافل" على هذا المرجع، بل غاب أيضاً أي تفسير وافٍ للحملة على التمثال التي دفعت بسامي سليم إلى حمل المطرقة وضربه.مازاكوراتي بعد أفول عهد شمعون
وسيرة التمثال هي سيرة الساحة وتلوناتها وتبدلاتها ووظائفها منذ الزمن العثماني، كميدان للإعدام، إلى زمن الانتداب وتحولها نواة المدينة، مروراً بمرحلة لبنان العصر "الذهبي" والصخب التعدّدي وحرب الثمانينات والسبعينات التي أول ما أصاب رصاصها كان تمثال الشهداء، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الطائف وفراغها وتظاهرات 2005 وحراك 17 تشرين 2019. وبقي تمثال "الباكيتان" يتوسط ساحة الشهداء، حتى إزالته تماماً من الساحة في منتصف الخمسينيات، ووضع الرئيس كميل شمعون حجر الأساس للنصب العتيد في احتفال السادس من أيار 1956 في وسط الساحة، التي بقيت فارغة من أي نصب حتى العام 1960، موعد الكشف عن التمثال الجديد الموجود اليوم في الساحة، والذي صممه النحات الإيطالي مارينو مازاكوراتي.واختيار مازاكوراتي أتى على وقع "أفول" عهد شمعون الذي "كان مشغولاً عن الشهداء بمقدّمات الثورة الشعبية"، فأخذ المجلس البلدي لمدينة بيروت المبادرة وكلّف النحات الإيطالي صناعة النصب الجديد، مسقطاً التصميم الذي فاز بالمسابقة، تحت تأثير نجاح تمثال رياض الصلح الذي نفذه مازكوراتي وكان قد لاقى مكانه في الساحة التي سمّيت باسمه. بعد ثلاثين شهراً استغرقها مازاكوراتي في نحت التمثال، خرج نصب "الشهداء" إلى النور، وهو يمثل امرأة ترفع مشعلاً يرمز للحرية بيد (تذكّر بتمثال الحرية في نيويورك)، وتحتضن بيدها الأخرى فتى، وعلى الأرض أمامها وخلفها شهيدان. وكما حدث مع "الباكيتان"، لم ينل التمثال الجديد رضا الجميع، وأخذ عليه كثيرون أن "الملامح ليست لبنانية مئة في المئة"، لكن الخلاف حوله لم يكن عمودياً، ولم يخرج عليه أحد بالمطرقة كما فعل سامي سليم. وفقد أحد شخوص يده في الحرب، ونقل في 29 أيار 1996 الى جامعة الروح القدس في الكسليك حيث عكف خبراء على ترميمه. وأعيد الى موقعه الأصلي في 10 تموز 2004، بعدما تُركت فيه ثقوب أحدثتها رصاصات وشظايا، تذكيراً للناس بأهوال الحرب. يقول رامي الأمين: "وبالقدر الذي يصعب فيه إغفال التوتر الذي رافق عودة تمثال الشهداء إلى الساحة في 2004، بين إميل لحود ورفيق الحريري، لا يمكن كذلك عدم التنبه إلى التوتر الذي رافق وضع الباكيتان في الساحة العام 1930 وما تلاه". والتمثال إشارة إلى أن اللبنانيين لا يتفقون إلا على خلافهم. وأن يكون تمثال "الباكيتان" قد صُمّم كرمز للشهداء، في بلد يعيش الخلاف الدائم حول مَن هو الشهيد ومَن هو العميل، بل حيث ثقافة الشهادة قائمة على "طبقات"، وكل جماعة تمجد شهداءها، وكل جماعة لها أنصابها... فلم تكن مطرقة سامي سليم، "غضبة" عابرة مقارنة بحرب التمثال، من جهة نصبه وإقامته، ومن جهة تفجيره. فخلال مراحل الحرب اللبنانية، وحتى زمن الوصاية السورية، وقبله الناصرية وبعده حزب الله، لم تكن التماثيل إلا تعبيراً عن سياساسات وتبدلات، وشهدت الساحات اغتيالات لتماثيل من رياض الصلح الى بيار الجميل وعبد الحميد كرامي والأمير فخر الدين وعبد الناصر، قبل أن تأتي التماثيل والأنصاب السورية وترحل، وبعدها تماثيل قاسم سليماني "شهيد المحور".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة