2026-10-30
بث مباشر
إعلان
عاجل وول ستريت تغلق على انخفاض مع تجدد مخاوف الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي   •   فرنسا: نشر 70 ألف شرطي لمواجهة احتجاجات يوم الهالوين   •   إشكال وإطلاق نار داخل مستشفى.. إليكم التفاصيل   •   إيطاليا.. مقتل 4 أشخاص في تحطم هليكوبتر تابعة لبعثة أوروبية في البوسنة   •   الصحة العالمية: الدول الأعضاء تقترح 7 مرشحين لمنصب المدير العام الجديد   •   أمريكا تقرض 16.75 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط لشركات   •   رئيس وزراء اليونان: الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا غير قانوني وباطل ولاغ   •   الجميّل يطّلع على عمل القوة السيارة ويشدد على دعمها   •  
المتفرقات

"عشاء" صبحية قيس: أطفال غزة الجائعون وأوانيهم الفارغة

ال

المدن

24 آب 2024

إعلان
للفن التشكيلي الفلسطيني، على الأقل في بداياته، طابع أيقوني. القدر شديد التسييس لهذا الفن، مضافاً إليه تحطم التراث المادي لأصحابه في شتاتهم الطويل وتحت الاحتلال، دفع الفنانين الفلسطينيين لابتداع أيقونات جامعة لتمثيل هوية واحدة راسخة مستمرة، وذلك بفعل دلالات ووسوم بصرية بسيطة ومباشرة ويسهل التعرف عليها، مرتبطة بالأرض والحياة اليومية كما خبروها أو تصوروها قبل وقوع الكارثة الكبرى. على هذا النهج، يعيد معرض "بائعة السمك"، للفنانة الفلسطينية صبحية حسن قيس في غاليري "إبداع" في كفر ياسيف بالداخل الفلسطيني، معالجة الرمزية الأيقونية الفلسطينية. ينعم نبات الصبار بحضور وافر في المعرض، الصبار الممزق والطافي على سطح بحر من دم مرة، والمكتمل والبهي بألوان من درجات الأزرق على خلفية نارية هادئة مرة أخرى، والمتضمن في سلسلة من اللوحات وكأنها صور إرشادية في كتاب للطبخ عن طريقة تخليل الصبار. وبلمسة سوريالية، نرى الصبار طائراً في الهواء على فوهة قنينة زجاجية من دون جذور تمتد داخلها، وفي الخلفية الأفق الريفي الفلسطيني المميز.
لا يغيب البرتقال، ولا الحمائم، ولا السلك الشائك، ولا البحر (الفلسطيني أيضاً بامتياز)، ويحضر كذلك مشهد القرية الفلسطينية ببيوتها الحجرية أو بخرائبها، مضافاً إليها ما جرى العرف على تسميته بالمشاهد الشعبية، السوق وبائعة السمك وبائعو الذرة... التكرار المقصود عمداً، والمتفاوت في مدى حصافة معالجاته، يشي بأمرين متعارضين ومتكاملين في آن: انسداد الأفق الفلسطيني سياسياً وما يستتبعه من تثبيط فني والاستنفاد الداخلي لعناصره التقليدية، وفي المقابل الإصرار على جماليات لحوحة ومعادة ومنسوخة ورتيبة أحياناً، تتأرجح بين غاية حفظ أثر من فاعلية قديمة للأيقونة الوطنية وبين ابتداع دلالة جديدة وآنية لها.
في لوحتها "العشاء الأخير"، اللوحة الأكثر جدارة بلفت الإنتباه بين لوحات المعرض، تقوم قيس بالأمر نفسه، حين تعيد معالجة عمل أيقوني من تراث النهضة الأوروبي هذه المرة، وتمنحه معنى معاصراً. في هذه اللوحة، يتبدى بشكل واضح ما يدعوه ماكس إرنست، النموذج المعياري للفن المعاصر، وهو تقنية الكولاج، ويعرّفه بأنه: "التقاء واقعَين متباعدَين على سطح غريب عنهما". لوحة ليوناردو الشهيرة، الممثلة لمشهد ممسرح عن الولاء والخيانة والتضحية النهائية والوداع، تفرغ من شخوصها، وتتحول إلى خلفية أو موقع أو ديكور مشهدي. وبدلاً من المسيح وتلاميذه، تقص قيس صورة لأطفال غزة الجائعين وأوانيهم الفارغة، مما يبدو صورة خبرية من وكالات الأنباء، وتقوم بلصقها وأعداد ترتيب عناصرها في المشهد الأساسي لعشاء ليوناردو. هناك نوعان للصورة التعبدية المسيحية المبكرة، أولها الصورة معجزية المنشأ، وهي نادرة جداً، مثل انطباع وجه المسيح على وشاح فيرونيكا، أو انطباع ملامح وجه القديس استفانوس على ثوب عند رجمه حتى الموت. والنوع الثاني، وهو ما قبلته الكنيسة الأولى على مضض وبتحفظ شديد، اللوحات المرسومة للقديسين في حياتهم أو بعد مماتهم مباشرة، شرط أن يكون الرسام نفسه قديساً، مثل لوحة العذراء مريم المنسوبة للقديس لوقا، وأحياناً للعذراء نفسها، وبحسب روايات أخرى للروح القدس. تنتمي تلك اللوحات إلى حقبة ما قبل الفن، كونها تتعلق بالرباني والمقدس والمعجزي. وبحسب التحقيب المعاصر للفن الأوروبي، يكون عصر النهضة، وفي قلبه لوحة "العشاء الأخير"، بداية الفن بمعناه المتواصل حتى انعطافة الحداثة.لعل لوحة صبحية قيس تمزج ما قبل الفن بالفن. أطفال غزة الجائعون وجوه مطبوعة على رداء، وجوه حقيقية من صورة في جريدة، بفعل معجزة كارثية هي معجزة الطباعة والرقمية والإعلام الكثيف والاعتياد المتبلّد على الإبادة وعلى تجويع مئات الآلاف من الأطفال على الهواء مباشرة، ولشهور وحتى الموت. ليس "عشاء" يقس، الأول من نوعه، فقد استُلهمت لوحة ليوناردو مرات ومرات من فنانين حول العالم، ومن بينهم العديد من الفنانين العرب والفلسطينيين أيضاً. السقف المفتوح على السماء مباشرة في لوحة قيس يحيلنا إلى "عشاء" دالي، بسمائه المشرعة، أكثر مما يحيلنا إلى ليوناردو. المفارقة المؤلمة أن واحدة من المعالجات المعاصرة الشهيرة للعشاء الأخير هي للمصور الإسرائيلي أدي نيس، وتظهر عدداً من جنود الجيش الإسرائيلي، صغار السن، وهم يتناولون عشاءهم، في مشهد مرتب بدقة يصفه موقع متحف إسرائيل بالتعبير عن الشجاعة والثقة والإخلاص والتضحية والبطولة.
كما تنتمي عناصر من لوحة صبحية ومثيلاتها، إلى عالم ما قبل الفن، فعناصر منها تنتمي إلى حقبة ما بعد نهاية الفن، حيث وصلت سردية معينة للفن إلى نهايتها. في "عشاء" صبحية قيس، ليس هناك استمرار لرواية النهضة أو الحداثة، بل إدانة لهما، أو بالأحرى قطيعة معهما. المسيح غائب عمداً وتلامذته معه، أما الأطفال بوجوههم الصارخة فلا ينتمون إلى مشهد العشاء، هناك حاجز بينهم وبين الطاولة، والتي يغيب عنها الطعام. تنسيق أجساد التلامذة، واكتمال الذروة الدرامية في الوسط بالضبط، والمكثفة في المسيح، يقابله محو للمركز في لوحة قيس. هذا الفراغ مقبض، وثمة بردوة يكشفها هذا الخواء بشأن لوحة ليوناردو. وجوه أطفال غزة الزاعقة بصرخات مكتومة، تتوجه إلينا نحن، كاشفةً عجزنا ولوماً سيبقى معنا في صورة شعور بالذنب كلما نظرنا إلى واحدة من الأيقونات الشهيرة والمبجلة في المتاحف والكنائس وأي مكان آخر.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة