اختلط الحابل بالنابل عشية العدوان الإسرائيلي على منطقة البقاع ليل الاثنين-الثلاثاء، حين لم يتمكن البقاعيون من التمييز بين أصوات الانفجارات التي نتجت عن الغارات التي شنها الطيران الإسرائيلي على منطقتي سرعين والنبي شيت، وبين ما خلفه العدوان من ترددات، فيما تبين لاحقاً أنه مستودع للذخائر، بقيت تتصاعد منه النيران وأصوات الانفجارات لساعات، وانشغل البقاعيون بمراقبتها من نواح مختلفة من محافظتي البقاع وبعلبك.تهديد قديموحسب شهود عيان، فإن الغارة الأكبر للطيران الإسرائيلي كانت على منطقة النبي شيت، في محلة مرتفعة تعرف بضهر الحمارة، وهي تبعد مسافة أربعة كيلومترات خط نار عن المنطقة السكنية في القرية، ولا يجاورها سوى منزلين على مسافة ثمانين متراً، تضررا بشكل كبير نتيجة للترددات التي خلفتها الغارة، فيما اقتصرت الأضرار في منازل أخرى على تحطم نوافذها، ما أدى إلى جرح عدد من الأشخاص الذين نقلوا إلى مستشفيات المنطقة. علماً أن ثلاث مناطق متجاورة وقعت تحت نيران العدوان الإسرائيلي بين النبي شيت وسرعين وتمنين.
بدت الغارة الإسرائيلية على مواقع عسكرية تابعة لحزب الله في النبي شيت بمثابة استحقاق مؤجل منذ العام 2019. ففي شهر أيلول من ذلك العام، توقع أهالي المنطقة عدواناً إسرائيلياً، على خلفية تصريحات لناطق باسم الجيش الإسرائيلي، اتهم حزب الله "بإقامة موقع مخصص لإنتاج وتحويل الصواريخ الدقيقة في البقاع قرب البلدة"، وتحدث "عن نقل للمعدّات الخاصة والحساسة إلى الموقع"، ما اعتبره الناطق الإسرائيلي مؤشراً على "إنشاء خط (تصنيع) للأسلحة الدقيقة".
إلا أنه وفقاً لشهود من البلدة، فإن الموقع المستهدف ليل الاثنين لم يتحول إلى محظور على المدنيين، سوى مع بداية الحرب على غزة، وكانت تشغله سابقاً مزرعة للمواشي، اختفت آثارها في المرحلة الأخيرة.حديقة الشهداءلا يختلف البقاعيون على كون بلدة النبي شيت، واحدة من أكبر الخزانات التي رفدت حزب الله وترفده بالمقاومين. وعلى رغم التنوع الموجود في البلدة، يفتخر جزء كبير من أهلها، أنها "عاصمة المقاومة". وهي بلدة تقدس الشهادة، وتكرم الشهداء في حديقة أنشأتها لهم منذ سنوات، شكلت محجاً دائماً لعائلات الراحلين بكل المناسبات.
ومع أن مستشار الشؤون العسكرية لأمين عام حزب الله فؤاد شكر، هو أبرز شخصيات البلدة الذين اغتالتهم إسرائيل في إعتداءاتها الأخيرة على لبنان، فهو ليس الشخصية القيادية الأولى من أبناء البلدة التي تغتالها إسرائيل. فالنبي شيت تحتضن أيضاً "مرقد سيد شهداء المقاومة" ثاني أمين عام لحزب الله، السيد عباس الموسوي، إلى رفاتيّ ولده وزوجته، اللذين قضيا معه في تفجير سيارته بجنوب لبنان في شهر شباط من سنة 1992. علماً أن في البلدة شهداء قضوا في بلدة الطيبة الجنوبية منذ سنة 1978، وآخرين في معارك ميدون، إلى كونها أحصت حتى ما قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان نحو 60 شهيداً بين من قضوا في معارك الجنوب والمعارك التي دارت في سوريا.
تتجسد مظاهر الولاء لحزب الله في البلدة من خلال مشهدية الرايات الصفراء وصور الشهداء المنتشرة في مختلف أنحاء البلدة، بالإضافة إلى ما يلاحظ من قبضة أمنية يصعب على الغريب الإفلات منها للتجول بحرية في أرجائها. علماً ان ذلك ليس مرتبطاً بالضرورة بظروف الحروب التي انخرط فيها شبان البلدة، وإنما يكاد يكون نمطاً يومياً، يعسكر المجتمع ويخضعه لسيطرة حزبية مطلقة.أهمية استراتيجيةوعليه، ليس العدوان الإسرائيلي الأخير على النبي شيت أمراً استثنائياً، وإن خلّف الوقع الأكبر حتى الآن، وحتى بالمقارنة مع حرب تموز 2006. إذ أنه كشف عن معرفة مخابراتية دقيقة للمنطقة، سمحت لإسرائيل بتوجيه ضربة موضعية مباشرة على مواقع عسكرية، لا يدرك حتى أهالي البلدة تواجدها فيما بينهم.
ومع ذلك، يؤكد أهالي البلدة أن لا شيء يخيفهم، وهم متمسكون بأرضهم مهما كانت ظروفهم، مستشهدين بما تعرضت له بلدتهم خلال حرب تموز من غارات متتالية، ولكنها لم تنجح في تهجير أهل البلدة منها.
فعلى رغم وعي أهالي البلدة لما يوليه حزب الله لبلدتهم من أهمية استراتيجية، إلا أنهم يثقون تماماً بأنه لا يقيم مستودعات ذخائره في وسطها. وبرأيهم، أن حزب الله هو الأكثر حرصاً على عدم تعريضهم أو تعريض أمنهم لأي خطر.
كما في العدوان الإسرائيلي على لبنان، كذلك في تورط حزب الله بالمعارك التي خاضها إلى جانب النظام في سوريا، تظهّر الدور الاستراتيجي للنبي شيت خصوصاً من خلال شبكة الطرقات التي أمنها الحزب لتسهيل مرور الإمدادات لمقاتليه. ولا زالت هذه الطرقات عصية على شرعية الدولة، وأفواج الحدود العسكرية، التي لم تتمدد إليها حتى تحت ذريعة فرض القبضة العسكرية الشرعية على المعابر غير الشرعية.
في قاموس أهالي البلدة غير الحزبيين، النبي شيت هي عاصمة قرى شرقي بعلبك. فالقرية التي لم تعد نائية، تحتضن عدداً كبيرا من المؤسسات التجارية، والمطاعم وحتى المسابح، بالإضافة إلى المراكز الرسمية والأمنية. إلا أن ذلك لا يتناقض بالنسبة لأهالي البلدة الملتزمين بالعقيدة الواحدة لجميع أبناء البلدة في عدائهم المطلق لإسرائيل. ولذلك لا مكان في البلدة للتشكيك بجدوى الحرب التي يخوضها الحزب حالياً، وثقتهم المطلقة بأمينه العام يترجمها الأخير مودة متبادلة، تجسدت خصوصاً من خلال إطلالاته المتكررة على جمهوره الشيعي الواسع ومن ساحة النبي شيت تحديداً.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية