تسند مارون الراس رأسها على أعلى تلة في جبل عامل، توزع هواءها على بنت جبيل وعيترون وعيناثا ويارون والجليل الغربي في فلسطين المحتلة. تحاكي منازلها الموزعة، حتى كتف بلدة صلحا، الغمام الذي يلامس أسطح منازلها وبيوتها، التي أعاد أهلها إعمارها حجراّ حجراّ، بعد العودة إليها في أيار العام الفين.
لمارون الراس جولات وصولات، وحكايا الكثير من أبنائها، عن الروابط الإجتماعية بينهم وبين أبناء فلسطين التي كانت تشكل لهم، كغيرهم من أهالي الجنوب، وخصوصاّ مناطق بنت جبيل مقصداّ للعمل والتبضع والتسوق.من حكايا البلدةيعود اسم مارون الراس إلى الآرامية، وهو من جزئين، الأول يعني "المحترم - السيد"، والثانية تشير إلى إرتفاع البلدة، الذي يشبه إرتفاع الرأس عن الجسد. استقبلت هذه البلدة المرتفعة مع جاراتها يارون وعيترون، الهاربين من آلة قتل العصابات الصهيونية "الهاغانا"، وخصوصاّ أبناء بلدة صلحا، التي تجثم على أرضها، منذ أيار العام 1948 مستوطنة "أفيفيم" الإسرائيلية، ودفنت فيها عشرات جثامين "الصلحاويين"، الذين أرتكبت بحقهم مجزرة كبيرة .
بعد التحرير في الخامس والعشرين من أيار العام ألفين، شكلت بلدة مارون الراس محجة للجنوبيين، ومنهم أبناء القرى السبعة، الذين صوبوا أعينهم من تلالها المرتفعة (950 متراّ) إلى بيوتهم المسلوبة وأرضهم التي تحول قسم كبير منها إلى ثكنات عسكرية وقسم إستغله المستوطنون للزراعة وأكل خيرات أصحاب الأرص الأصليين.
شهدت أرض مارون الراس، التي لم يبق من أبنائها سوى عائلات قليلة في العام 1978، لا تتعدى 15 بالمئة، معارك كرّ وفر، بين ما يسمى قوات سعد حداد المدعومة من إسرائيل من جهة، وقوات الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية، وتحديداّ في الفترة التي سبقت الإجتياح الإسرائيلي، الذي أطلق عليه العدو " عملية الليطاني"، وفي العام 1985 فجر رجال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية "جمول"، محطة بث تلفزيون الشرق الأوسط، التي زرعها عملاء ميلشيا لحد المنحلة على مطل في مارون الراس.خلال حرب تموز - آب 2006، سُجل لجل الدير ومنطقة المحمية في مارون الراس، أول معركة إلتحام برية لحزب الله، في مواجهة قوات النخبة التابعة للإحتلال "وحدة إيغوز" حيث هدف جنود العدو الذين عبروا الحدود إلى إحتلال مارون الراس في محاولة منهم للإطباق على مدينة بنت جبيل، لما لها من رمزية سياسية وإجتماعية.حرب الإشغال والإسنادلا تتوقف الغارات الإسرائيلية وعمليات القصف المدفعي على مارون الراس، منذ بدء العدوان قبل عشرة أشهر ونيف، متسببة بسقوط ثلاثة شهداء، بينهم شهيدة مدنية ونزوح كافة أهلها إلى المناطق الأكثر أماناّ، بعدما دمر العشرات من منازلها وبيوتها وإحراق زيتونها، وتهشيم حديقتها العامرة المشرفة على الأراضي الفلسطينية، من خلال سلسلة من الغارات وعمليات القصف، حيث أستشهد على أرضها عدد من المقاومين .
يؤكد أحد مختاري مارون الراس، التي يتألف مجلسها الإختياري من 4 مختارين، ومجلس بلدي من 15 عضواّ، أن البلدة تتعرض لعدوان واسع، فرض نزوح أهلها إلى مناطق صور وبيروت، وإستشهد ثلاثة من أبنائها، هم محمد علوية، علي أحمد مهنا، ونهاد مهنا، ودمر ما بين 30 إلى 40 منزلاّ تدميراّ كاملاّ، فيما تضرر حوالي 100 منزل حتى اليوم، كما أحرقت القذائف الفوسفورية المحرمة دولياّ التي يستخدمها جيش الإحتلال الإسرائيلي، مساحات واسعة من كرومها، لا سيما الزيتون.
ويضيف المختار لـ"المدن"، أن عدد العائلات التي كانت تقيم في مارون الراس قبل بدء العدوان يقارب المئتي عائلة (191 عائلة) من اصل حوالي عشرة آلاف فرد، غالبيتهم ينتشرون في بلاد الإغتراب، ومنها أميركا واوستراليا وكندا وكولومبيا ودول إفريقيا وأوروبا، مؤكداّ بأن ما عزز الإغتراب والهجرة في البلدة مثل غالبية جاراتها، هو الإحتلال الذي جثم على المنطقة 22 عاماّ، فهجر غالبية أهلها وفجر الكثير من منازلها .
وقال إن سجل بلدة مارون حافل بالعطاء وتقديم الشهداء، في سبيل قضية فلسطين، مشيراً إلى أن المقيمين في البلدة قبل بدء الإعتداءات الإسرائيلية، كانوا يعتمدون، بشكل اساسي، على العمل في مجالات الزراعة ( تبغ، قمح، وزيتون) والتي خسر الأهالي مواسمها جميعها، والخدمات والمؤسسات الصغيرة. ويشير المختار، الذي فضل عدم عدم ذكر إسمه، أن مارون الراس تحولت إلى محجة لمئات آلاف اللبنانيين، الذين كانوا يقصدونها ليزوروا حديقتها ويستمتعوا بالنظر إلى فلسطين، وبمواقع تاريخية أثرية عديدة، تعود إلى الفتح الإسلامي في محلة الشهداء وخلة المصفى ومقام محمد الشهيد ومحلة ترتيرة التي تحوي في باطنها اثاراّ رومانية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية