منذ مطلع العام الجاري، والجيش الروسي يتقدم ببطء في الدونباس. وأعلن وزير الدفاع الروسي مطلع أيار/مايو المنصرم، أن روسيا إحتلت حتى ذلك التاريخ مساحة تبلغ حوالي 547 كلم مربع، حسب صحيفة الإزفستيا في ذلك التاريخ. مواقع الإعلام المختلفة تقارن هذه المساحة بتلك التي إحتلها الأوكران خلال حوالى أسبوع من عبورهم الحدود الروسية في منطقة كورسك، والتي تبلغ 1000 كلم مربع، حسب المصادر الأوكرانية.ليست هذه المرة الأولى، خلال الغزو الروسي لأوكرانيا، التي تخترق فيها أوكرانيا الحدود الروسية وتقوم بعمليات داخل الأراضي الروسية. وفي بعض المرات بلغت غارات المسيّرات الأوكرانية العمق الروسي، وقصفت أكثر من مرة مدينة موسكو، بما في ذلك أهداف ملاصقة للكرملين. لكن الإختراقات السابقة كان يتبناها فيلق "حرية روسيا" وكتيبة "سيبيريا" المشكلان من المتطوعين الروس الذين يحاربون إلى جانب أوكرانيا، وليس الجيش الأوكراني.لم يكن الخرق الأوكراني مفاجئاً لروسيا وحدها، بل أثار دهشة كل مَن تابع تراجع الجيش الأوكراني أمام تقدم الجيش الروسي الذي احتل منذ مطلع العام، 47 قرية وبلدة أوكرانية، حسب بوتين في حزيران/يونيو الماضي. المفاجأة التي حملها الخرق الأوكراني، جعلت المحللين والخبراء يقولون بكم من الفرضيات حول أهداف الخرق ومصيره وتأثيره في مسار الحرب، متناقضة كلياً في ما بينها. وطغى على معظم الآراء في البداية، أنه خرق مؤقت من المستبعد أن يستمر، وسرعان ما سيعيد الجيش الروسي الوضع كما كان. لكن بعد مرور حوالى أسبوع، أخذ بعض الإعلام الأوروبي يرى في الخرق إنعطافة في الحرب، كما نقلت الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW، في 15 الجاري، عن كبريات الصحف الألمانية.موقع الخدمة الروسية في eurotpics.ne الأوروبي، الذي يستعرض يومياً أبرز ما تنشره صحافة البلدان الأوروبية، وصف ما نشرته الصحافة الأوروبية في 15 الجاري من تعليقات على الخرق الأوكراني بأنها متناقضة جذريا في ما بينها.نقل الموقع عن صحيفة Interia البولونية، إشارتها إلى التمايز بين ما تراه بلادها وما يرونه في سائر أوروبا والولايات المتحدة. فقالت: "نحن نبتهج لهذا، وهناك (في أوروبا الغربية والولايات المتحدة) تساؤلات حول التدابير الإنتقامية التي قد يتخذها بوتين". في بولونيا دعوات لنزع سلاح جزء من المناطق الروسية، وهناك تفكير حول صوابية تصرفات كييف.خبير في صحيفة Postimees الصادرة في إستونيا، حلل سلوك موسكو بشأن الخرق الأوكراني. وراى أن روسيا إما أنها لم تكن تعرف شيئاً عن الخرق، أو أن ردّ فعلها لم يكن متناسباً مع الحدث. وإذا ما نظرنا إلى إجتماعات الرئيس الروسي مع قادة الأجهزة الأمنية وحكام المناطق، يتضح أن الإرتباك سيد الموقف. وترى الصحيفة أن نزوح 200 ألف روسي من قراهم وبلداتهم بسبب الخرق الأوكراني، قد يؤدي إلى مسيرات عفوية واضطرابات، ربما يستعد الحرس الوطني وجهاز الأمن الفيدرالي الآن لقمعها.من بين عشرات المواقع التي نقل عنها eurotpics، كانت ـيضاً المجلة الروسية المعارضة ECHO التي نقلت بدورها عن سياسي روسي أن المفاوضات بعيدة الآن، لكنها ستعقد يوماً ما، وحضورها مع جزء من منطقة كورسك، يمثل موقعاً قوياً على طاولة المفاوضات. ويرى أن بضع مئات من الكيلومترات المربعة على الحدود الروسية المعترف بها دولياً، تساوي أكثر مما إحتله بوتين في أوكرانيا وسجّله في الدستور. وإذا لم تقترف أوكرانياً أخطاء فادحة، سيحتاج الجيش الروسي، سنة على الأقل، للعودة إلى حدود روسيا، متكبداً خسائر فادحة.موقع الخدمة الروسية في BBC تحدث في 12 الجاري عن ردّ فعل كل من بوتين وزيلينسكي على الخرق الأوكراني. قال الموقع أنه في صباح اليوم عينه، عقد بوتين إجتماعاً ناقش الوضع في المناطق المتاخمة للحدود مع أوكرانيا. حضر الإجتماع أعضاء مجلس الأمن القومي، الحكومة، قادة الأجهزة الأمنية وحكام كل من منطقة بيلغورود، بريانسك وكورسك المتاخمة للحدود مع أوكرانيا. افتتح بوتين الإجتماع بالحديث عما يجري في منطقة كورسك، وطالب العسكريين الروس بالضغط على العدو "وطرده من أراضينا وتوفير حماية موثوقة لحدود الدولة جنباً إلى جنب مع حرس الحدود". وسبق لبوتين أن وصف الخرق، في 7 الجاري، بأنه "إستفزاز واسع النطاق"، ووعد في اليوم التالي بدفع 10 آلاف روبل للنازحين من منطقة المعارك.أشار الموقع إلى أنه حتى ذلك التاريخ، لم يكن قد صدر أي تصريح رسمي من الجانب الأوكراني بشأن الخرق. وفي مساء 12 الجاري، أعلن زيلينسكي عبر شبكات التواصل الإجتماعي، أن إجتماعاً للقيادة قد عُقد، وأن أهم تقرير في الإجتماع كان لقائد الجيش الأوكراني الذي تحدث فيه عن "عملياتنا الدفاعية على الجبهة وعن العمليات في منطقة كورسك". وفي وقت لاحق من ذلك المساء، صرح زيلينسكي بأن الأراضي التي يحتلها الجيش الأوكراني في منطقة كورسك، هي المناطق التي كانت روسيا تقصف أوكرانيا منها. وقال بأن العملية توفر الأمن لمناطق أوكرانيا الحدودية، وهدفها الرئيسي تحرير مناطق الحدود من القوات الروسية. وشكر زيلينسكي الوحدات الأوكرانية لما تضيفه إلى "رصيد التبادل" (في المفاوضات التي ستجري يوماً ما).موقع Kasparov الروسي المعارض نقل، في 15 الجاري، عن وزير الدفاع الليتواني Laurynas Kasciunas قوله بأن عملية الجيش الأوكراني في منطقة كورسك هي "إهانة لبوتين". وأشاد الوزير بالعملية الأوكرانية، وقال بأنه لم يسمع شيئاً من الغرب عن إختراق الخطوط الحمر. وجاءت العملية إعلاناً صريحاً بأن أوكرانيا تستطيع القيام بمثل هذه العمليات في إطار إستراتيجيتها الدفاعية، "إنه إنتصار للعقل". ورأى أن على حلفاء أوكرانيا الغربيين أن يقوموا الآن بخطوات منطقية: أولاً، مد أوكرانيا بما يكفي من الأسلحة بعيدة المدى، ثانياً، السماح لها باستخدامه للتعامل مع الأهداف في عمق الأراضي الروسية.ردّ فعل السياسيين والناشطين الروس على أول خرق عسكري للأراضي الروسية بعد الغزو النازي العام 1941، كان نزقاً، غاضباً، تعتريه الدهشة والصدمة. فقد نقل موقع قناة التلفزة الروسية RTVI في 15 الجاري، تعليق برلمانيين ومثقفين روس على ما ذكرته شبكة بلومبرغ في 13 الجاري، إستناداً إلى مصادر مقربة من الكرملين ووزارة الدفاع، عن إحتمال إعلان السلطات الروسية التعبئة العامة للتصدي للخرق الأوكراني.اعتبرت قناة التلفزة الروسية أخبار بلومبرغ كاذبة، وأنها إحدى سرديات البروباغندا الأوكرانية، وطلبت من عدد كبير من الروس التعليق على نبأ بلومبرغ.رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي (الدوما)، رأى أنه لا ضرورة لإعلان التعبئة العامة في روسيا بسبب الوضع في منطقة كورسك، فثمة ما يكفي من المقاتلين على الجبهة. اما نائبه الأول فقال أن روسيا بحاجة، على الأقل، لإعداد الإحتياطي التعبوي، ليس للحرب مع أوكرانيا، بل للمجابهة مع الغرب.أحد العسكريين الروس، وعبر منصة تلغرام، تساءل إن لم يكن الوقت قد حان للتخلص من تسمية "عملية عسكرية خاصة" وإعلان الحرب. وعندها سيكون كل شيء أوضح، سواء في ما يتعلق بالسلاح النووي التكتيكي، أو التعبة العامة وكل ما يرتبه علينا سلوك البالغين... "وكلما مددنا الوقت، كلما كان ذلك ليس في صالحنا".الفيلسوف الروسي اليميني المتطرف الذي كان يوصف بأيديولجي الكرملين، قال بأن الجيش الأوكراني قام بغزو مباشر للأراضي الروسية، و"علينا الرد جذرياً".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية