2026-10-31
بث مباشر
إعلان
عاجل التصعيد يتواصل جنوباً   •   توقيف شخصين في الكورة   •   إشكال وإطلاق نار في طرابلس   •   توقيف تاجر أسلحة في طرابلس.. و139 سورياً عند الحدود   •   نقابة الأطباء البيطريين تحذّر من انتحال الصفة وسوء استخدام الأدوية   •   السعودية تتصدى لهجمات "حوثية".. اعتراض مسيّرات وصاروخ باليستي   •   الجيش يعلن تمديد مهلة التطوّع لتلامذة ضباط   •   الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيليّ: 8956 شهيداً   •  
المتفرقات

نظام الأسد يحمي السوريين من الانحدار الأخلاقي!

ال

المدن

16 آب 2024

نظام الأسد يحمي السوريين من الانحدار الأخلاقي!
إعلان
منذ سنوات يحرض النظام السوري، عبر مؤسساته الرسمية والأصوات الموالية الداعمة له من ناشطين وموظفين في وزارة الإعلام، ضد كل من يبرز في مواقع التواصل الاجتماعي، سواء كان نشاطه سياسياً أو فنياً أو مجرد تعبير شخصي عن الذات، في بلد تعطي قيادته السياسية لنفسها الحق في تعريف الخيارات الصحيحة من الخاطئة أو المشبوهة نيابة عن أفرادها، في كل تفصيل خاص بحياتهم، من الملابس التي يرتدونها إلى الموسيقى التي ينبغي أن يسمعوها، وصولاً إلى الخيارات السياسية بطبيعة الحال.
وأصدرت وزارة الإعلام بياناً، بعد حملة تحريض واسعة قادها موالون للنظام السوري، ضد منصات في مواقع التواصل اجتماعي اتّهمت بـ"بث محتوى غير أخلاقي". وقالت الوزارة التي أعيد استحداثها بقانون أصدره الرئيس بشار الأسد في نيسان/أبريل الماضي، أنها تعمل مع وزارة الداخلية ووزارة العدل، على متابعة المنصات غير المرخصة ومشغليها واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، مفسرة خطوتها بـ"مسؤولية وزارة الإعلام في التصدي لما ينشر عبر العديد من المنصات غير المرخصة، من مضامين هابطة، تنتهك حرمة الآداب وتسيء إلى قيم المجتمع السوري وثوابته الوطنية والأخلاقية".واللافت أن بيان الوزارة أثار استياء المحرضين بدلاً من أن يطمئنهم، خصوصاً أن معظم أولئك الأشخاص، عانى من قمع النظام السوري في السنوات الماضية، مثل المستشار السابق في الوزارة مضر إبراهيم الذي اعتقل لأيام في آب/أغسطس 2023، ولم يعد ينشر سوى عن المواضيع الخاصة بـ"الأخلاق" و"قيم المجتمع" ويهاجم المثليين والحضارة الغربية والحريات الفردية، من دون التطرق للمواضيع السياسية المحلية كما كان عليه الحال قبل اعتقاله، فيما يصوب انتقاداته لوزارة الإعلام بشكل بات معتاداً منذ تولي الوزير بطرس حلاق رئاسة الوزارة العام 2021 بدلاً من الوزير السابق عماد سارة.ولم تعد تلك الفئة من الأصوات تحظى بهامش واسع للتعبير عن نفسها، سوى بالتشدد في الحديث عن قيم المجتمع التي يتحدث عنها رموز النظام السوري أنفسهم بما في ذلك الرئيس الأسد وزوجته أسماء، بوصفها المدخل الحالي لتبرير وجود النظام نفسه كسلطة قمعية زادت من وحشيتها بعد الثورة السورية، مع القول أنها قوة خير تحارب "الليبرالية الحديثة" إلى جانب دول مثل روسيا في وجه "الغرب السفيه الفاجر". وبالارتكاز على هذه النقطة فقط، تحافظ تلك الفئة من الموالين الممنوعين من الحديث عن قضايا أخرى، على وجودهم السام في الفضاء العام بين السوريين. وتصبح قضايا مثل التدين وملابس النساء وميوعة الرجال وغيرها، رائجة بينهم من أجل التصويب على المسؤولين والأفراد على حد سواء، وإشاعة جو من الترهيب على أسس دينية و"أخلاقية"، بموازاة الترهيب السياسي الذي لا تحتاج السلطة مساعدة في نشره.وحتى مع التسليم فرضاً بصحة المنطق الأعوج الذي يدعي أن الدولة يجب أن تتدخل لتحديد خيارات الأفراد اليومية، فإن التصريحات الرسمية بهذا الصدد، بما في ذلك بيان وزارة الإعلام الأخير، تبقى شديدة العمومية ولا تحدد المواد غير الأخلاقية، كما لا تعرّف الابتذال الذي يختلف منظوره من شخص لآخر، وبالتالي فإنها تشكل مجرد تضييق إضافي على كل من ينشر في مواقع التواصل من فنانين ومؤثرين ومستقلين، بما في ذلك الموالون للنظام والذين يقدمون انتقادات للسلطة عبر الدراما البسيطة في "أنستغرام" أو "فايسبوك".ويمكن تلمس طيف طويل من قرارات وتصريحات رسمية بهذا الصدد، ففي العام 2022 هددت "لجنة صناعة السينما والتلفزيون" بإحالة كل من ينشر أي محتوى فني في مواقع التواصل الاجتماعي من دون الحصول على رخصة إلى فرع الجريمة المعلوماتية في وزارة الداخلية. وفي العام 2021، أصدر الفرع الجنائي نفسه قراراً بتجريم استخدام "الأيموجي" فيما تم حجب المواقع الإلكترونية بما في ذلك المواقع الإباحية بحجة حماية المجتمع من "الانحدار الأخلاقي".وفي العام 2022، اعترف معاون وزير الإعلام السوري حينها، أحمد ضوا، بأن الوزارة تمارس رقابة مشددة على مواقع التواصل الاجتماعي "رغم أن ذلك ليس من اختصاصها" في بلد تختنق فيه حرية التعبير، شبه المعدومة أصلاً، أكثر من أي وقت مضى. وقال أن "بعض المنصات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبثّ محتوىً سيئاً جداً بهدف حصد المشاهدات والأموال"، واصفاً مقاطع الفيديو التي تنتج في سوريا بأنها "تثير الغرائز وردود الأفعال"، وأوضح أن "وزارة الإعلام تتابع تلك المنصات رغم أنها ليست من اختصاص قانون الإعلام، لكن بهدف إبلاغ الجهات المعنية لمحاسبة المسؤولين عن تلك المنصات، إلا أن الوزارة لا تتعامل إلا مع ما هو مرخّص ومعتمد وفق قانون الإعلام"، حسب تعبيره.من جهته اعترف وزير الداخلية السوري محمد الرحمون، مطلع العام 2020، بأن أجهزته تراقب حسابات السوريين في "فايسبوك" من أجل "رصد ومتابعة الصفحات وملاحقتها وتقديم المخالفين إلى القضاء". وفيما كانت تلك الرقابة تأخذ شكلاً أمنياً سياسياً عبر ملاحقة السوريين الذين يتحدثون في السياسة، خصوصاً ما يخص الاستياء الشعبي من قضايا مثل انعدام الخدمات وارتفاع الأسعار وسطوة الميليشيات، فإن وزارة الإعلام اليوم تؤدي دوراً في الرقابة الأخلاقية عبر فرض الرقابة الفنية والوصاية الأخلاقية على السوريين.وتتضافر جهود وزارة الإعلام ووزارة الأوقاف معاً في حرصهما على المظاهر المجتمعية "اللائقة" وتكريس مفاهيم الحياة "النبيلة" دينياً ومجتمعياً، في معرض تقديمها للنظام على أنه محافظ على القيم العائلية والدينية "السمحة" في المجتمع السوري ونبذ العادات الغربية التي تشجع على الحرية الفردية. ويمكن تلمس النقاش نفسه العام 2020 عندما حظرت وزارة الأوقاف إعلاناً لشركة محلية اتهمته بتقديم "إيحاءات جنسية"، علماً أن الأوقاف باتت تمتلك نفوذاً متزايداً في البلاد وصل إلى حد تعيين خريجين من وزارة الشريعة في كادر وزارة الإعلام من أجل أداء وظائف رقابية على المنتجات الإعلامية والثقافية في البلاد.بالطبع لا تمتلك السلطة الحق في تقديم المواعظ الأخلاقية للشعب، لأنها فاقدة أصلاً للأخلاق، هي التي قتلت السوريين وشردتهم طوال 13 عاماً، وقدمت للعالم تذكيراً بماهية الحياة في دولة ديكتاتورية والمدى الذي يمكن أن يذهب إليه المتسلطون من أجل التمسك بكرسي الحكم. لكن الحديث عن تلك الأخلاق يحيل حتماً إلى تعريفها وماهيتها، وفي هذا الإطار يقدم النظام نفسه أمام البيئة المحلية المحافظة كحام للقيم والتقاليد والأخلاق المجتمعية، التي لا تعني بالضرورة أن تكون صفات حميدة أو عصرية في القرن الحادي والعشرين.ولا يعتبر ذلك مفاجئاً لأن النظام السوري مثل أي نظام شمولي، يحرص على تقييد حرية الأفراد ويحارب الفردية، لأن التعبير عن تلك الخصائص الفردية واكتشاف الذات، بما في ذلك الفن والنشر في مواقع التواصل، يبقى أمراً غير مرغوب فيه وقد يشكل في الواقع خطراً على من يقوم به. ويعود ذلك إلى حقيقة أن الأنظمة الشمولية تعمل على خلق أنماط من الأفراد وتشجع على السلوك الجماعي المحبب القائم على الطاعة والخضوع. أما قيم الفردانية فتعطي الأفراد حيزاً من القوة قد يقود إلى التمرد من ناحية الإدراك لوجود حقوق يجب الحصول عليها.والحال أن هوس نظام الأسد تجاه الشكل الأخلاقي للدولة السورية زاد كثيراً في الفترة الماضية، فتحدث الأسد شخصياً في خطاباته التي باتت تأتي من المساجد أحياناً، عن الأخلاق المجتمعية وكيف يحمي النظام مواطنيه من "الانفلات والتحرر". ووصل الأمر على ما يبدو إلى حد متطرف بتتبع الألفاظ "الخارجة" عن الآداب في مواقع التواصل وقرارات بمنع "المشاهد الجريئة" في الدراما السورية المحافظة أصلاً. وبدا منذ العام 2020 أن النظام يتجاوز قمعه التقليدي، إلى حد تذكير مواطنيه بأن الضغط الذي يمكن أن يمارسه عليهم مازال في حدوده الدنيا.وإن كان التحريض ينطلق ضد حسابات في مواقع التواصل، تنشر بالتحديد لوحات درامية تتضمن من حين إلى آخر نكاتاً جنسية في "فايسبوك" و"يوتيوب"، بما في ذلك سلسلة "سكر وسط" التي شارك فيها قبل سنوات ممثلون سوريون معروفون، مثل ليث المفتي، وقدمها الممثل الآخر رضوان قنطار الشهير ببرامج الكاميرا الخفية، فإنه يطاول في خطاب الموالين كل مواقع التواصل التي تصبح بالمطلق "منصات لنشر التفاهة" و"مشاريع تدار من الخارج من أجل وهن نفسية الأمة" و"اختراقاً ثقافياً" وغيرها من المصطلحات الخشبية، فيما يطالب "صحافيون" يعملون في وسائل الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية مثل "شام إف إم" وصحيفة "الوطن" باعتقال من من يصور في الشارع من دون تصريح أمني.على أن متابعة تلك اللوحات التي تثير غضب المحافظين، تحيل إلى نماذج تتكرر يفترض أن تكون مضحكة بوصفها نماذج مخجلة، من المرأة التي ترغب في ممارسة الجنس إلى بائعات الهوى، وصولاً إلى الرجال المتعرضين للخيانة بسبب نقص مفترض في رجولتهم، وحتى المثليين جنسياً. وكلها مفاهيم تتقاطع في نقطة واحدة هي مفاهيم الذكورية السامة التي تمثل ركيزة قيم المجتمع المحافظ. ما يعني أن هذه النوعية من الكوميديا تخاطب في الأساس أشخاصاً يتمسكون بالقيم نفسها، ما يجعل الناتج منها سلبياً، لا يتعدى الضحكات من دون تسلية حقيقية، ومن دون خلق أثر أبعد، باستثناء تكريس القيم نفسها ضمن دائرة مغلقة.وبالتالي فإن تلك المقاطع يجب أن تنال تصفيق الموالين المحرضين ضدها، لا العكس، ووجودها في بلد منغلق مثل سوريا رغم كل القوانين والتعميمات الرسمية بمحاربتها، دليل ربما على كيفية تلاعب النظام بالمعلومات والسرديات والنقاشات العامة التي تركز على "تفاهة السوريين" و"تخلفهم" كأفراد، لدرجة تجعل القيادة الحكيمة ضرورية من أجل نقلهم إلى الحداثة والتطور والطريق الصحيح. وتصبح حملات التحريض ضد ذلك المحتوى جزءاً من تلك العملية السلطوية، لا تحدياً لها. وتصدير ذلك كله سياسياً وقانونياً يأتي كجزء من بحث عن الشرعية المفقودة، عبر خلق وهم بوجود معركة وجودية لا تبرر وجود النظام في السلطة فحسب، بل تبرر أيضاً البؤس الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المواطنون، ليصبح الصبر والصمود إزاء الواقع المزري جزءاً ضرورياً من حرب أوسع يخوضها الأفراد أنفسهم نصرة لـ"الأخلاق" و"قيم العائلة".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة