في حين دخل الجيش الأوكراني الأراضي الروسية ليطور عملياته في منطقة كورسك منذ أيام، وجدت موسكو أن الوقت ملائم للإلتفات إلى الشرق الأوسط كما لم تفعل منذ إندلاع حربه الدورية في الخريف المنصرم. فاستدعت بشار الأسد إلى موسكو منذ أسابيع، وأرسلت سكرتير مجلس الأمن القومي ووزير دفاعها السابق سيرغي شويغو إلى طهران الأسبوع الماضي، واستقبلت مطلع الأسبوع الحالي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في زيارة يلتقي خلالها الرئيس الروسي في الكرملين. وعلى الرغم من أنه لم يرشح شيء رسمياً عن نتائج زيارة شويغو، إلا أن أحداً لا يتوقع نتائج ما لزيارة عباس، كما في حال إستدعاء الأسد. زيارة شويغو إلى طهران وُصفت بالخاطفة، لكن زيارة عباس تدوم 3 ايام، وبديهي أن المدة ليست هي ما يحدد أهمية الزيارة. غير أن في الزيارتين واستدعاء الأسد، ما يشير إلى قيام موسكو بانعطافة نحو الشرق الأوسط، ليس نحو المشاركة في حربه بالتأكيد، بل قد ربما لبلورة مقاربة جديدة حيال الصراع الملتهب في المنطقة.لا يستبعد البعض أن تكون هذه الخطوات تمهيداً لإعلان موسكو عن فتح جبهة ثانية لحربها مع الغرب عبر الشرق الأوسط. ويستبعد أن تكون هذه الجبهة متطابقة مع الجبهة الأوكرانية. فلن تجازف روسيا بالمشاركة المباشرة في الحرب ضد إسرائيل والغرب من ورائها، مما قد يفقدها رصيد الثقة المتبادلة الذي بنته على مر سنوات مع إسرائيل والدول المناهضة لإيران والموالية للغرب. وهي تطمح إلى توظيف هذه الثقة في صورتها كوسيط في الصراع بالمنطقة. وهو ما تناولته فرضيات عديدة حول أهداف زيارة شويغو إلى طهران.إثر اندلاع الدورة الحالية الخريف المنصرم من حروب إسرائيل العدوانية في المنطقة، كُتب الكثير عن موقف روسيا ومصلحتها فيها. وثمة شبه إجماع على أنها أحد الأطراف الحاصلة على الكستناء الجاهزة من نيران هذه الحرب، وليس فقط لحرف الأنظار، ولو جزئياً، عن حربها على أوكرانيا. فهي لم تخف ترحيبها بانشغال الغرب في هذه الحرب، وإمكانية خفض إهتمامه ومساعداته لأوكرانيا. ولم يكن أحد يأخذ على محمل الجد دعواتها المتكررة لوقف هذه الحرب، والتي أعاد شويغو إعلانها في زيارته الأخيرة. لكن ما سربته الدوائر الإستخبارية الغربية عن الزيارة، وطلبات إيران من الأسلحة الروسية الحديثة، وتصريح شويغو في لقائه مع الرئيس الإبراني عن إستعداد موسكو للتعاون "الكامل" في كافة المجالات في إطار الشراكة الإستراتيجية، جعل بعض الخبراء في الشأن الإيراني يعتبر أن روسيا أصبحت طرفاً في حرب المنطقة.الخبير الروسي في الشؤون الإيرانية Nikita Smagin، قال في صفحته في فايسبوك إن إسرائيل وحماس تتعادلان في دعوة الواحدة لإلغاء الأخرى. ويرى أن إسرائيل بإغتيالاتها لقادة الفصائل المعادية، تسعى إلى قيادة التصعيد الحالي في المنطقة وفرض تطوراته، لا أن تكون في موقع المتلقي لهذه التطورات.نشر الخبير في 8 آب الجاري، في موقع Carnegie، نصاً عبّر فيه عن رؤيته لما تعنيه زيارة شويغو إلى طهران. إعتبر في عنوان النص أن الزيارة "تصعيد كبير" و"كيف تصبح روسيا طرفاً في الصراع في الشرق الأوسط". ورأى أن التصعيد الذي بدأ بعد 7 أكتوبر، يبدو بصورة متزايدة وكأنه بداية مرحلة جديد في تاريخ الشرق الأوسط تمتد لفترة طويلة. وقال بأن روسيا، ولسنوات عديدة، سعت إلى الحفاظ على مسافة متساوية من جميع القوى الإقليمية، والبقاء على حوار عملي مع مجموعة متنوعة من القوى والحركات. لكن يبدو أن الواقع الجديد قضى على مثل هذه الإمكانية. والميل الموالي لإيران في السياسة الخارجية بسبب غزو أوكرانيا، يثير قلقاً جدياً لدى إسرائيل والولايات المتحدة. ومما يزيد حدة هذا القلق، حقيقة أن منطق المواجهة مع واشنطن يدفع موسكو إلى دعم الجبهة الموالية لإيران بشكل متزايد. وحتى لو كان الكرملين نفسه ما زال يأمل في البقاء ضمن إطار التوازن والوساطة، فبالنسبة إلى القوى الإقليمية، اتخذت روسيا بالفعل جانبًا في الصراع الدائر، وستتصرف هذه القوى وفقًا لذلك.يرى سماغين أنه ليس من الصعب التكهن مع أي طرف تتعاطف روسيا في الصراع المتفاقم في الشرق الأوسط. فانجراف موسكو التدريجي نحو طهران أصبح واضحاً منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي خطابها الرسمي، تقف روسيا بشكل متزايد إلى جانب إيران ضد إسرائيل، وفي سوريا مارس الطرفان ضغطًا مشتركًا على الولايات المتحدة.ومع ذلك، على مدى العامين الماضيين، لم تكن روسيا في عجلة من أمرها للتخلي عن دورها السابق كوسيط عالمي قادر على التحدث مع الأطراف كافة. ورغم أن الولايات المتحدة خرجت تماماً من هذه المعادلة، إلا أن موسكو حاولت مواصلة الحوار مع دول أخرى، بما في ذلك إسرائيل التي تخشى رد فعلها في تصدير الأسلحة إلى أوكرانيا. إلا أنه من غير المرجح أن تكون روسيا قادرة على الاستمرار في الجمع بين هذا الحياد والتعاون مع إيران، حسب الخبير.يسترسل سماغين في الإشارة إلى ما سبق أن تحدث عنه معظم الخبراء العسكريين عن أنواع الأسلحة التي تحتاجها إيران وتطلبها من روسيا، وعجز الأخيرة عن تلبية كل الطلبات، بالكميات والأنواع المرغوبة، بسبب حاجتها إليها في الحرب مع أوكرانيا. لكنه يؤكد أن روسيا وإيران تتبادلان إمدادات الأسلحة وفق إتفاقيات معقودة بين الطرفين.وبعد أن يعرج سماغين مطولاً على المساعدات الروسية لأذرع إيران أيضاً في المنطقة، ينتهي إلى القول بأن كل خطوة من جانب روسيا تجاه إيران وحلفائها، تجعل موسكو، في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، مشاركة في الصراع وقادرة على الإخلال بالتوازن الحالي. وتشكل طهران، ومن خلفها الكرملين، تهديداً خطيراً بما يكفي للإقدام على أقصى الرد على اغتيال اسماعيل هنية.الصحافية الروسية التي كانت تتابع شؤون الشرق الأوسط في إحدى كبريات الصحف الروسية قبل مغادرتها روسيا Marianna Belenkaya، نشرت في 12 الجاري، نصاً في الطبعة الإسرائيلية من صحيفة newsru الروسية. تساءلت الصحافية في عنوان نصها ما إن كانت روسيا قد أصبحت جزءاً من "محور المقاومة" الإيراني. واستهلت بيلينكايا نصها بالإشارة إلى زيارة محمود عباس إلى موسكو في اليوم عينه، وتأكيدها بأنه لا ينبغي توقع أي نتائج للزيارة سوى عبارات التأييد للقضية الفلسطينية من جانب الكرملين. وترى أن الجميع، بمن فيهم الروس، يدرك أنه لا شيء على المستوى العالمي يرتبط بموقف موسكو في هذا المسار.وقالت بيلينكايا أن إسرائيل لا تستطيع أن تغمض عينيها عن إنجراف موسكو المتزايد نحو طهران، وعن تعاونهما العسكري التقني المتزايد، وكذلك عن الإتصالات الروسية بكل من "حماس" و"حزب الله" والحوثيين والفصائل الشيعية في العراق. لذلك ليس من المستغرب أن تصنف إسرائيل روسيا، بشكل لا لبس فيه تقريباً، كجزء من "محور الشر" الذي يضم إيران وكوريا الشمالية. وتتعالى الأصوات في الدوائر الدبلوماسية الإسرائيلية للمطالبة بمراجعة العلاقات الثنائية مع موسكو. لكن لا ينبغي لنا أن نتجاهل أنه من المهم أيضًا بالنسبة إلى روسيا أن تحافظ على علاقاتها مع إسرائيل، على الرغم من كل المشاكل القائمة. ومن الغريب أن أحد أسباب ذلك هو عدم الرغبة في البقاء بمفردها مع إيران... رغم أن موسكو، على ما يبدو، قد اتخذت قرارها.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية