قصة من مجموعة «بديعة، شال الأمنيات الأزرق» للناقد والروائي العراقي المقيم في الدنمارك حسين السكاف. صدرت المجموعة حديثاً عن دار سامح للنشر في السويد:
الدونكي شوت
حين يعلو صراخه الغاضب، وتجحظ عيناه باحمرار دموي غريب، تتجه أنظار المتبضعين وأصحاب المحال إلى إحدى زوايا سوق المدينة؛ بحثاً عن (دونكي شوت) ليهدّئوا غضبه غير معروف الأسباب. يقتربون من صراخه وكلماته غير المفهومة. يتمثل أمامهم شبح إنسان بدشداشة بنية كالحة تقترب بلونها من التراب المبلول. ملامح وجهه غير واضحة تماماً على إثر حركة رأسه السريعة في اتجاهات عشوائية مطوّحاً ذراعَيه في الهواء بحركات سريعة متلاحقة، كأنه يصارع طيوراً جارحة تهاجمه بشراسة. يحتضنه أحدهم، ويقدم إليه الآخر جرعة ماء، فيهدأ بعد أن يضع بين أصابعه سيجارة غير مشتعلة يقدمها إليه أحدهم. يجلس مُقرفِصاً لامّاً أذيال دشداشته عند ركبتَيه. يلصق راحتَيه على صدغَيه، فتصبح عيناه أكثر احمراراً وجحوظاً. بعد دقائق، ينهض وهو يدس السيجارة في جيب دشداشته العلوي، ويشق طريقه وسط السوق حتى يتوارى صامتاً.
حين كنا صغاراً، أثار لقب دونكي شوت فينا الضحك، لكنه وعلى الرغم من فكاهته غير المفهومة، شكل أحجية غير مفهومة الدلالة أيضاً، فلم نعرف له معنى أو سبباً كي يُلصق بشخصية مثل (أصيل المجنون)، فصرنا نبحث عن معناه لدى الكبار. وعلى الرغم من أننا بحثنا بدافع السخرية، إلّا أننا لم نعثر على أحد من الذين تجرأنا وسألناهم يعرف أصل الكلمة ومعناها، ولكن أكثرهم يعرفون أن الأستاذ نعمان مدرس مادة الرسم- الذي رحل عن المدينة بسبب قرار نقله إلى قرية نائية- هو مَن أطلقه على أصيل المجنون، ومنذ ذلك الوقت صارت المدينة تناديه بلقب دونكي شوت بديلاً عن أصيل المخبَّل. الغريب أن أصيلاً صار يبتسم في وجه مَن يناديه بلقبه الجديد، كأنه قد حظي بلمسة عطف أو حنان يفتقدها، أو ربما لأنه صار يعتقد أنه قد تخلص من نعت (المخبَّل).
كنت في العاشرة من عمري ودونكي شوت في العشرين، وكانت الأمهات- ومنهن أمي- توصي الأبناء به خيراً، ومنهن مَن أشارت إلى أنه (مبروك)، ومَن يؤذيه يسلط الله عليه غضبه، وكذلك فعل الشيخ عبد الله حين أوصى به رجال المدينة في إحدى خطبه الدينية بغية درء الأذى عن ذلك «المسكين المبتلى، فالمجنون محطُّ استخفاف وازدراء الآخرين دائماً»، فأُشيع في المدينة كثيرٌ من الصفات (المباركة) التي يمتاز بها دونكي شوت عن غيره، وتعدّدت الأقاويل، ونُسب له عدد من الكرامات، فهناك مَن قال إن الدونكي شوت رجل مبارك، فما إن يضع يده على رأس عليل، حتى يُشفى بسرعة، أو على مكان الألم حتى يزول دون أن يترك أثراً، ثم انتشرت شائعة تقول إن يدَي دونكي شوت كفيلة بتهيج رحم العاقر، فيصبح أكثر نشاطاً وفعالية، ويكون حملها ممكناً إن وضعهما على بطن المرأة العاقر.
من بعدها حظي دونكي شوت بعطف جميع أبناء المدينة، وصار محبوباً بين العوائل، حيث بات بإمكانه الانتقال من دار إلى آخر طلباً للطعام أو لقضاء حاجة ما تُطلب منه، وصار مؤتمناً عند الجميع خصوصاً فترة النهار، فيساعد أصحاب المحال في توصيل حاجياتهم إلى بيوتهم، أو يساعد كبار السن أو النساء في حمل أغراضهم لقاء أجر زهيد وأحياناً دون مقابل مادي، فهو لم يعتد طلب الأجرة. أما فترة المساء فكان المقهى مقرّاً له، حيث يعمل ساقياً مقابل أجر زهيد لا ينفقه، فليس بحاجة إلى شراء شيء؛ فهو يحصل على قليل من الطعام وأحياناً قطع الملابس مجاناً من قِبل المحسنين.
هناك مَن قال إن دونكي شوت يدخر دراهمه عند الشيخ عبد الله، واقتنع أهل المدينة أن الشيخ خير مَن يُؤتمن؛ كونه الأقرب إليه وهو مَن يعتني به، وأن سر النظافة التي تظهر على الدونكي شوت أحياناً بسبب عناية الشيخ عبد الله به، حيث يدخله إلى حمام بيته كلما شعر بضرورة استحمامه، ويحمِّمه على أكمل وجه، وذلك ما كشف للشيخ أحد أهم أسرار دونكي شوت، ذلك النتوء الصغير الذي يشبه في لونه وحجمه شكل حبة تمر ناشفة في نهاية عُصعصه. حاول الشيخ الضغط على النتوء ليعرف هل يؤلم الدونكي شوت، لكنه لم يأتِ بأي حركة، فعرف أنه طبيعي وليس التهاباً يحتاج إلى علاج، ولكنه لا يعرف سبباً لظهوره. وفي كل مرة يخضع فيها الشاب المخبول لجلسة استحمام، يتحسس ذلك النتوء، يقلّبه ويضغط عليه، لكن دونكي شوت لا يبدي أي انزعاج.
لا أحد يعرف وجود النتوء في نهاية عصعص دونكي شوت غير الشيخ عبد الله، الذي يحفظ أسرار عدد من رجالات المدينة وبيوتاتها، علاوة على درايته الأكيدة بأوضاع فقراء المدينة وحالة المحتاجين الذين يمد إليهم يد العون بسرية تامة. الشيخ عبد الله فعلاً بئر أسرار المدينة وأهلها.
في الصف الخامس الابتدائي، حين صرنا نقرأ اللغة الإنكليزية كلغة أجنبية وحيدة في منهاج البلد الدراسي، بحثنا عن أصل كلمة الدونكي شوت، فتوصلنا بعد جهد جهيد إلى أنه يعني (ضرطة الحمار)، فكلمة Donkey تعني الحمار أما كلمة shoot فتعني القذفة. وبهذا توصلنا بعد اجتماعات ونقاشات صبيانية عديدة- حدثت خلالها نوبتا شجار مع بعض الصبية- إلى أن أصيل المخبَّل صار (ضرطة الحمار) دون أن يدري. سألتُ معلم اللغة الإنكليزية- بغرض التأكد مما وصلنا إليه- عن معنى كلمة دونكي شوت، فلم يجبني، لكنه صفعني على صدغي وأسقطني أرضاً، ناهراً إياي عن تكرار قلة الأدب. منذ تلك اللحظة ومعلم اللغة الإنجليزية- المتجهم دائماً- يحظى بكره أغلب التلاميذ، وأنا على رأسهم.
كثيراً ما تبعث الداية الحاجة سميعة في طلب الشيخ عبد الله حين يُولد بين يدَيها مولد ذكر؛ ليقرأ في إذنه بعض التمائم ويباركه. وفي إحدى المرات، وبعد أن قرأ الشيخ في أذن المولود ما تجب قراءته، أشارت سميعة للشيخ أن ينظر إلى مؤخرة المولود، فشاهد نتوءاً بحجم حبة التمر مزرقة اللون. غرق الشيخ في تفكيره لثوانٍ، ثم ابتسم وقال للقابلة إن النتوء يُسمى (الحبة المباركة)، وإن مستقبلاً مُشرقاً ينتظر المولود؛ كونه مبروكاً بمباركة الملائكة الصالحين. لكن ذلك النتوء ظهر مجدداً عند مولود ذكر آخر بعد أشهر قليلة، وبعد مُضي قرابة سنتَين كان عدد المواليد الذكور الذين وُلدوا متميزين بـ(الحبة المباركة) قد وصل إلى خمسة أطفال.
في السنة الأولى من دراستي الفنون المسرحية، عثرتُ على رواية بعنوان (دون كيشوت)، كان العنوان صادماً، نظرتُ إلى الكتاب كأنني في غيبوبة، ضحكت كثيراً كوني وقعت في فخ المزاج المتفكه وتصورت أنها مزحة. تناولت الكتاب المعروض عشوائيّاً ضمن (بسطية) على رصيف شارع (المتنبي) للمكتبات، اشتريتُ الكتاب بمبلغ زهيد، وعكفت على قراءته. أعدت قراءة الكتاب ثلاث مرات، وعرفت متيقناً أن الأستاذ نعمان مدرس مادة الرسم كان على قدر عالٍ من الثقافة، تماماً كما كان ميجيل دي سارفانتس مؤلف الرواية فيلسوفاً مبدعاً، وأن الأستاذ نعمان قد أطلق لقب دون كيشوت على أصيل المجنون كونه صارع- في نوبات صراخه وغضبه- وهماً يشبه تماماً طواحين الهواء التي حاربها دون كيشوت.
في ذلك العام رُزِقَ الشيخ عبد الله بمولود ذكر انتظره طويلاً بعد أن أنجبت له زوجته سبع بنات جميلات، وكان ابنه الحبيب (المنتظر) موسوماً بشرف (الحبة المباركة) أيضاً.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


