في مناسبة ثورة ١٤ تموز، يرجع البصَرُ متأمّلاً المجلّدَ الملكيّ للصور، ذلك الذي تفرّقَ شملُه/ جذاذاتُه الرماديّة كالهشيم، في اللحظات التالية لاقتحام فصيل عسكريّ قصر الرّحاب، مع ما تشتّتَ من أثاث القصر وتُحفيّاته، ليظهر فيما بعد سنين على وسائل الإعلام والاتصال دليلاً على اشتغال المثَل الشعبيّ السائر: "يا ما تحت السّواهي دواهي" في طبقات متعدّدة من تفكير قوى الثورة المتحالفة فيما بينها والمتناحرة ضدّ بعضها، وزوايا متقابلة في مرايا الزمن الجمهوريّ، بانقلاباته المفاجئة، وبصيغهِ المحايثة عبر التاريخ القريب والبعيد_ أي بعد انتهاء زمنه، وانعكاس اشتغاله التاريخيّ، في أكثر من مرحلة من عمر الجمهورية الوليدة في ١٩٥٨.لماذا يحضر المثَل بدلالته العميقة على المياه الجارية تحت سطح مجتمع لا يخلو من مباغتات السياسة وتغيّر اتجاه الريح بين طبقاته، وتداول إجراءاته التآمريّة على المستوى الظاهر والدفين، بين قوى خارجية وداخلية طامعة بتهشيم بنية البلاد الهشّة، منذ ذلك الحين؟ إنّ الدلالة العميقة للمَثل تظهر من الصيغة اللغويّة الموروثة في نصّ عربي، من التراث الشعبيّ، مثلما تنزوي في مجاز/ مزاج سياسيّ إنكليزيّ، صاغَ مقابل النصّ العربي هذه الصيغة: "still waters run deep" التي تعكس فيما تعكسه الرغبةَ في توطيد أواصر الرعاية الملكيّة، لعهد انطوى بانطواء مجلّد الصُور والوثائق والمعاهدات.
تتوفّر اليوم، على نطاق واسع تحليلات نيو_كلاسيكيّة، لأجواء البلاط الملكيّ القديم، كانت المياه تجري تحت أسس قصرهِ المنيف، قصر الرحاب، ذي الأدوار السياسيّة المتحوّلة_ أشهرها دور قصر النهاية_ ولربما رُفِعت على أحد جدرانه _ توافقاً مع المزاج التآمريّ_ صورةُ الوصيّ القتيل عبد الإله مع ابن أخته المليك القاصر فيصل الثاني، بصحبة كلبٍ ضخم_ يختلف عن الكلب الأبيض الصغير، الذي يظهر في صورة أخرى من مجلّد البلاط المصوَّر. إنّها لحظة استعادة إحدى تراجيديات شكسبير، يمسرحُها جلّادو القصر "النهائيّون" أمام ضحاياهم/ خصومهم اليساريّين الذين سيقوا بقسوة إلى هذه النسخة المشوّهة، من دون علمهم بجريان "المياه العميقة" التي ستغمرهم بدواهيها، بعد سنوات قصيرة.
بالرجوع إلى صورة الأمير عبد الإله، يبدو الجوّ تآمريّاً بكامل صيغته المنعكسة في المثَل الإنجليزيّ، فكأنّ الملك الصغير، المصحوب بكلبه الضخم، في اللوحة خلف رأس الأمير، حدسَ ما يخبّئه خالُه الوصيُّ من مؤامرة صغيرة ناعمة، تُبعده إلى قرار أبعد من قرار اللوحة، حيث يُدفن هناك للأبد. كان المثَل السائر يعمل بصيغةٍ ولّدَها من حروفه، وحدّثَ معناها الدفين بخلطهِ أنواعاً أكثر خفاءً من دواهي عصىره، في غفلة من إرادة الوصيّ ومليكِه معاً. وكما تنبأ هوميروس من قبل قرون بعيدة، فإنّ كلمات رسالةٍ يبعثها قائد عسكريّ إلى مقرّ قيادته قد تُخفي خطوطُها المتعرّجة علامات هزيمةٍ منكرة، من دون التصريح بذلك.
تكفي هذه الصورة التي ركّب بنيانَها مصوِّرٌ بارع_ لعلّه كان جاسوساً متخفّياً، كما في نسخة من روايات أجاثا كريستي، صديقة العراق_ أو لعلّه ضابط من مرافقي الأمير، كان يحمل المثَل_ صيغةً تآمريّةً منه_ في جيب سترته العسكريّة، وقتَ التقاط الصورة. وعلى أيّ محمل من محامل التصوير، وصِيَغ المثَل الخدّاعة، فإنّ حدثاً مثل مقتل العائلة الملكيّة في العراق، يحتاج أكثر من تحليل حديث، بحسب انعكاس الأجواء ومناسبتها الفعليّة والمجازيّة للأمثال.
(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


