2026-11-05
بث مباشر
إعلان
عاجل
دعت إليها النقابات.. فرنسا تستعد لموجة تظاهرات جديدة• الحصيلة التراكمية للعدوان: 4390 شهيدا و 12429 جريحا• مشاهد نشرها الجيش الإسرائيليّ من الجنوب… عثر على وسائل قتالية وفتحة نفق• وزيرة التربية بحثت والنائبة عز الدين في أوضاع المدارس والثانويات في الجنوب والنبطية• “الوفاء للمقاومة”: سلوك السلطة الكارثي لم يجلب الا المزيد من الخراب والدمار في لبنان• وفاة امرأة وإصابة آخرين خلال إحباط عملية تهريب.. هذا ما أعلنه الجيش• توقيف 4 فتيات بجرم الدعارة• بري يدعو هيئة مكتب المجلس للاجتماع يوم الاثنين المقبل•
المتفرقات

"عطلة في حيّ النور" للحبيب السالمي..ثورة تونس وتحولاتها

وك

وكالات

07 أيار 2023

إعلان

تصدر قريباً عن منشورات دار الآداب في بيروت رواية "عطلة في حي النور" للروائي التونسي الحبيب السالمي، أبطالها ثلاثة أشخاص حارس عمارة، وصحافية مطلقة، وشاب مغامر مولع بتربية الكلاب، تعرف عليهم في حي "النور"، في إحدي ضواحي العاصمة حيث استأجر شقة مفروشة لقضاء عطلته. وبحسب الناشر: "عطلة في حي النور"، رواية تقتفي برهافة التحولات التي شهدتها تونس في الأعوام الأخيرة كاشفة عن دلالاتها، وتأثيراتها في النفوس وامتداداتها في مجتمع هش مرتبك تخترقه مفاهيم وقيم متناقضة.هنا مقطع منها.القطط هي أوّل من استقبلني في مجمّع "الفلّ" السكني. حالما اجتزت المدخل بعد نزولي من سيّارة التاكسي التي أقـلّتني إلى حيّ "النور" اقتربت مني وهي تطلـق مواء خافتا. تسلّل أحدها إلى ما بين ساقيّ رافعا ذنبه ومقوّسا ظهـره للتمسّح بهما. خشيت أن يكون مصاباً بمرض ما فابتعدت عنه. وعندما عاد إليّ دفعته برفق بطرف حذائي. عدد القطط تزايد كثيراً. والبعض منها يرابط بالقرب من المدخل في انتظار أن يمنّ عليها أحد الداخلين أو الخارجين بطعام ما. كانت قذرة. تساقطت أجزاء من وبرها في عدّة مواضع فبانت جلودها ورديّة متعفّنة.لا أثر لبوّابة المجمّع الخشبيّـة الواطئة التي كانت تميّـزه عن غيره من المجمّعات السكنيّة المجاورة في حيّ "النور".مع اختفاء البوّابة وانهيار جزء من السياج على الجانبين بفعــل التقادم وأعمال التخريب أضحى المدخل أكثر اتّساعا.صار بمقدور بعض السكّـان إدخال سيّاراتهم إلى الحديقـة لركنها بالقـرب من العمارات التي يقيمون فيها غير عابئين بما تحدثه العجلات من دمار وهي تدوس ما تبقّى من الأعشاب والنباتات الجافّة. لا شكّ أنهم يريدونها أن تكون أقرب ما يمكن إلى شققهم خوفا عليها من أن تسرق أو أن يتمّ تخريبها وكسر زجاجها أو ثقـب عجلاتها. وهي أمور تحدث كثيراً في مثل هذا الحيّ. على يمين المدخل هناك كومة كبيرة من أكياس النفايات. مكبّ القمامة حيث حاويات البلديّة يوجد في الجانب الآخر على الرصيف المقابل. يكفي أن تعبر الشارع وتسير بضع خطوات للوصول إليه. لكن الكثير من السكّان لا يفعلون ذلك على ما يبدو. ويلقون بنفاياتهم عند المدخل. ثمّة أكياس كثيرة انفتحت أو انبعجت في وسطها لشدّة امتلائها فتناثرت أجزاء من محتوياتها على الرصيف. أوراق جرائد. زجاجات ماء وزيت وعلب سردين فارغة. صحون مكسورة. جوارب مثقوبة. قشور بصل ويقطين وموز وبطاطا. بقايا معكرونة.معظم ما في حديقة المجّمع تغيّر. شجيـرات الورد والياسمين فقدت الكثير من أوراقها وذبلت وتراكمت عليها الأتربة التي تذروها الرياح. بعضها مات ولم يتبقّ منه إلا جذوع متيبّسة أو سيقان منغرسة في الأرض. اكتسح الجفاف الحديقة طوال فصول الصيف القائظة التي تعاقبت عليها. حتى التراب تبدّل لونه. وحدها شجرة السرو التي تقوم وسط الحديقة نجت من ذلك. تبدو بخضرتها التي حال لونها لكثرة الغبار المتراكم عليها وبارتفاعها الذي يكاد يضاهي ارتفاع العمارات نشازا داخل المشهد القاحل. كأنّ الطبيعة أبقتها على حالها كي تكون شاهداً على الدمار الهائل الذي لحق بالمكان الذي حولها.أما الممرّ الرئيس الذي تتفرّع عنه عدّة ممّرات صغيرة تؤدّي إلى العمارات المتناثرة في الحديقة فقد انكسـرت بلاطاته أو انخلعت في مواضع كثيرة تاركة حفرا امتلأ بعضها ببراز الكلاب والقطط وأعقاب السجائر والحصى والقـشّ والحشرات النافقة وأوراق الأشجار الجافّة.
هذا العام أيضا استأجرت شقّـة مفروشــة في مجمّع "الفلّ". وقد حرصت على أن تكون نفس الشقّة التي قضّيت فيها عطلتي السابقة. فأنا آلف الأمكنة بسهولة وأحبّ العودة إليها. المجمّع ليس فخما. وحيّ "النور" الذي يقع في إحدى ضواحي تونس حيّ متوسّط. ومع ذلك أعجبت به منذ البداية. الحقيقة أنّ وجوده في حيّ كهذا هو أحد الأشياء التي تجتذبني إليه. لم أعد أتحمّل الإقامة لمّا أزور تونس في مجمّعات راقية أو النزول في الفنادق الفخمة الباردة كما لو أني سائح أجنبي.أمام أوّل عمارة يقف رجل يعتمر قبّعة ويضـع نظّارة سوداء. حالما رآني أخذ يسير صوبي بخطوات سريعة. ولم أدرك أنه عبد الله حارس المجمّع إلا حين نزع نظّارته وصار قريبا مني. كنت على علم بأنه هو الذي سيستقبلني وأنه هو الذي سيسلّمني مفتاح الشقّة كما في المرّة الماضية. وكالة الإيجـار أخبرتني بذلك. لكن لم أكن أنتظر أن يكون هناك لاستقبالي بالرغم من أني أعرف أنه متشوّق للقائي بعد غياب طويل. اثنا عشر عاما كاملة وقعـت فيها أحداث كثيرة أهمّها بالطبع الثورة التي مرّت الذكرى العاشرة لقيامها قبل فترة قصيرة.يمكنني أن أقول إن عبد الله هو أقرب شخص إليّ في الحيّ. في زيـارتي السابقة كان أوّل من تعرّفت عليه بحكم أنه حارس المجمّع. ثم إنّ له شقّة في العمارة التي توجد فيها الشقّـة التي استأجرتها. وهي تقع في الطابق الرابع مقابل شقّتي تماماً.عمل عبد الله لعدّة أعوام بائعا في متجر كبير لبيع قطع غيار السيّارات. بعد فترة طويلة من البطالة عيّنته الشركة التي تقوم بإدارة شؤون المجمّع حارسا له. أذكر أني لم أرتـح له كثيرا في بداية إقامتي السابقة في المجمّع. كان يبدو لي بارداً بل ومتعاليا قليلا. وهو ما استغربته لدى حارس عمارات. لكن سرعان ما اكتشفت أنه رجـل طيّب وأنّ له خصالا كثيرة. بمرور الأيّام توطّدت علاقتي به. تعرّفـت أيضا على كل أفراد عائلته. زوجته مريم التي لا تقلّ طيبة عنه. ابنهما وليد. إنهم من ألطف السكّان في المجمّع. دعوني عدّة مرّات للعشاء في بيتهم. وقدّموا لي خدمات كثيرة. وساعدوني في حلّ العديد من المشاكـل التي واجهتني. صاروا قريبين جدّا مني كما لو أنهم من عائلتي. وما زاد في توطيد علاقتي بهم هو أني بقيت على اتّصال بهم طوال غيابي. وبين حين وآخر كنت أتلفـن لهم لأسأل عن أحوالهم وأخبارهم. وفي الأعياد أبعـث لهم بالتهاني بل وأرسل إليهم هدايا بسيطة. وبواسطتهم تعرّفت على سكّان آخرين في المجمّع وخاصّة على سعاد ابنة خالة مريم التي تقيم في عمارة ليست بعيدة عن عمارتهم وتربطها بمريم علاقة متينة بالرغم من الاختلاف بينهما في المستوى التعليمي وفي العديد من المسائل.هالني هزال عبد الله وشحوب وجهه. ظهـره ازداد تقوّسا. وعيناه بدتا داخـل الهالتين الداكنتين اللتين تحيط بهما صغيرتين لامعتين مثل عيني قط ّ هرم. صار لديه شارب. أسود وطويل وكثّ إلى حدّ ما. بدا لي أنه لا يناسب وجهه الذي صار أطول بسبب الهزال. لم أحبّ أبدا الشوارب. ولا أفهم إلى حدّ الآن لماذا يتعلّق بها الناس. أشعر أنها تنتمي إلى الماضي. ومن المفترض أن تكون قد اختفت منذ زمن بعيد. تساءلت عمّا إذا كان قد ربّاه للتخفيف من الانطباع الذي يتركه شحـوب وجهه لدى من يراه. كان يرتدي بدلة رياضية. لونها الأزرق حال من كثرة الغسـيل. تذكّرت أنه يحبّ أن يرتدي هذا النوع من الثياب عندما يكون في المجمّع. يجدها مريحة جدّا. وأحيانا لا يخلعـها حين يغـادر البيت ويتوجّه إلى السوق أو المقهى للقاء أصدقائه. ولم يكن الوحيد في ذلك. فقد لاحظت في زيارتي السابقـة أن العديد من الرجال وخاصّة الشباب في الحيّ يرتدون البدلات الرياضيّة. والكثير منها ماركات مشهورة. عبد الله أكّد لي أن أغلبها ليست حقيقيّة وإنما مقلّدة. والحقيقي منها تمّ شراؤه من سوق الثياب المستعملة المستوردة من أوروبا والتي تزايد إقبال الناس عليها في الأعوام الأخيرة. البدلة طويلة وفضفاضة جدّا. بدا داخلها أكثر هزالا. وبالرغم من أن السترة لم تكن مفتوحة لم يتوقـف عن الإمساك بتلابيبها وشدّها إلى صدره كأنه يخشى أن يتسرّب شيء من الهواء الساخن إلى جسده. أظنّ أني لم أفلح كثيرا في إخفاء ما خالجني وأنا أراه في مثل ذلك الحال وأن علامات التأثر والشفقة بانت على وجهي. فقد قال لي حالما انتهى من مصافحتي وتقبيلي:
ـ مرض السكر. لعنة الله عليه.
أضاف بنبرة هادئة:
ـ نجوت من الكورونا. لكن السكر سيقتلني.
ـ إن شاء الله. لا باس.
ربت على كتفي وهو يتفرّس في وجهي:
ـ أنت في صحّة جيّدة. يا سي عادل. سبحان الله. كأنك لا تكبر.سرنا بضع خطوات صامتين. فجأة توقّف كمن تذكّر فجأة شيئا مهمّا. تحسّس شاربه ثم سألني وهو يشير بيده إلى المدخل:
ـ ما لاحظت أيّ شيء؟
ـ المجمّع بلا بوّابة.كان أوّل شيء لاحظته وأنا أخطو صوب المدخـل. حرّ ك رأسه كأنه يودّ أن يشكرني على أني انتبهت لذلك. ثم قال قبل أن نستأنف السير:
ـ خلعوها أبناء الكلب.
أضاف وهو يحرّك ذراعه في الهواء:
ـ سرقوها.
كنت أتوقّع أن يحدث أيّ شيء للبوّابة إلا أن تسرق:
ـ سرقوها!
ـ آ .. أيام الثورة ..
تابع بحماس من يودّ أن يقول شيئا أعدّه منذ زمن طويل:
ـ لا يمكن أن تتصوّر ما عشناه في الثورة وبعدها. سأحدّثك عن هذا في ما بعد. ثمّة حاجات أخرى كثيرة لازم أحكيها لك.
ـ ولماذا سرقوها؟ ماذا سيفعلون ببوّابة؟
ـ فكّكوها إلى ألواح. وباعوها.
ـ باعوها!
ـ آ.
ـ لمن؟
ـ لا أدري. ممكن للنجّار. أو لبائع الفحم.
نبذة
الحبيب السالمي، روائي تونسي يعيش في باريس، صدر له العديد من الأعمال الروائية، نذكر من بينها: "جبل العنز"، والصادرة عن المؤسسة العربية عام 1988. وعن نفس الدار أيضا صدرت له روايات "صورة بدوي ميت" عام 1990. "متاهة الرمل" عام 1994. "حفر دافئة" عام 1999. "عشاق بيه" عن دار الآداب 2001 وعن نفس الدار أيضا صدرت له الأعمال الروائية: "أسرار عبد الله" 2004"“روائح ماري كلير" عام 2008 والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية "البوكر" العام 2009. رواية "نساء البساتين" والصادرة في العام 2010، رواية "عواطف وزوارها” عام 2013، “بكارة” 2016، "الاشتياق إلى الجارة" 2019 والتي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية عام 2021.
بالإضافة إلى مجموعتين قصصيتين: "مدن الرجل المهاجر"، والصادرة عن دار الكتاب العربي في العام 1977، ومجموعة "امرأة الساعات الأربع"، والصادرة عن دار الآفاق الجديدة في بيروت عام 1986.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة