قدمت فرقة "زقاق" في مسرحها في الكرنتينا(بيروت) عرض "الإمبراطوريّة الثالثة"، وهو قراءة لجزء من مسرحية "الإمبراطور والجليلي" لهنريك إبسن التي لم تُمثّل أو تنتشر في المسارح العالمية كما أعماله الواقعية الأخرى، نظراً لكبر أجزائها وطول مونولوغاتها ولغتها المباشرة، والتي تتناول حياة الإمبراطور الروماني جوليان (361م ــ 363م) الملقب بـ"المرتدّ".
سبق لفرقة "زقاق" أن قدمت قراءة الأجزاء الأولى من عمل هنريك ابسن التاريخي "الامبراطور والجليلي"، وهو العمل الملحمي الأكثر جدلاً وقرباً من الكاتب المسرحي والشاعر النروجي واعتبرها من اهم أعماله. كتب إبسن "الامبراطور والجليلي" في ألمانيا بين العامين 1868 و1873 وهي تقع في قلب مسيرته الدرامية. كتب 12 مسرحية قبلها، و12 مسرحية بعدها، وهي تمثل الفاصل الكبير بين المسرحيات الشعرية الملحمية في بدايات مسيرته وتصارعها بين المعتقد الشخصي والحكم السياسي، لكنه أضاف في هذا العمل الملحمي العمق العاطفي والشعري الذي أسس لأعماله الواقعية اللاحقة، التي أبرزت مفهوم الحرية الفردية مع أعمال مثل "بيت الدمية" وا"لأشباح" و"عدو الشعب" وغيرها.
تحت عنوان "أليسانة، تدريب على الطاعة"، كانت قراءة فرقة زقاق في العام 2012 حينما قاربت مفهوم السلطة وأنماطه السياسية والدينية وحتى المسرحية، عبر حكاية الإمبراطور الروماني جوليان واستدعائه آلهة وفلاسفة اليونان القديمة، معلناً حرية الاعتقاد وتعددية الآلهة. أما اسم المكان "اليسانة" فأُسقط في على اسم قرية في قرطبة (اسبانيا)، نُفي إليها الفيلسوف ابن رشد بعدما حاكمه الخليفة المنصور وأمر بإحراق كتبه. توازياً، عالج العمل مستوىً ثانياً من صراع السلطة مع قصة فرقة مسرحية منفية ومعزولة يتدّرب أفرادها على الطاعة، علّهم يُدجنون، قبل أن ينقلبوا على مخرجهم ويتساوى مصيره مع مصير الإمبراطور المرتدّ.
الامبرطورية الثالثة
تقدّم فرقة "زقاق" النسخة الجديدة من "الامبراطور والجليلي" هذا الأسبوع، تمر عبر الرجل التاريخي "جوليان" وتتجاوز وثنيته لتقارب مبدأ التوحيد والثنائيات التي حكمت وتحكم عالمنا، لتسأل عن مفهوم التعدّد والواحد والتعدّد في الواحد. سؤال يسري على العرض وأدواته وعناصره كما يسري على العمل التاريخي ودراماتوجيته المعاصرة (عمل جماعي من كتابة وأداء: لميا أبي عازار، مايا زبيب، عمر أبي عازار، محمد حمدان، جنيد سري الدين) ومقاربته مع المحلي الغارق بمحليته. وإذا كان في "اليسانة، تدريب على الطاعة" انقلاب ممثلين على مخرج مسرحي، فإن الانقلاب في "الإمبراطورية الثالثة" أتى على المسرحة والمسرح. الممثلون محايدون يخلون مساحة المسرح ويجلسون في وضعيات المشاهدين وبالقرب منهم. يقرأون بحيادية ومن زوايا واهتمامات مختلفة. يعلقون على الأحداث برؤى مختلفة بعضها. منها السياسي والنفسي والنسوي والجمالي. يتقاطعون وينفصلون. يتحررون من مقاعدهم ويعودون. يخلطون بين العام والخاص بين النص الأصلي والنص التأويلي وبين ذاتيتهم ومزاجيتها.
يبدأ العرض بمحاولة قراءة النص الأصلي والملاحظات التي تركها الدراماتورج واختفى في احدى تظاهرات رياض الصلح وقد انطلق من ثنائيات البلد التي نعيش ومفرداتها ومصطلحاتها اليومية التي نتعايش معها بدءاً من الكيان والدولة والأحزاب والحكم وحتى بالموارد الطبيعية التي نعيش يومياتها تاركاً آخر ثنائية وتحتها خطين: انفجار مرفأ.
في العرض مجموعة سرديات لا تجمعها فكرة واحدة، عناصر مشهدية من قراءات مؤدين ونصوص على الجدار(تصميم مايا الشامي) وصور فيديو(رانيا الرافعي) واضاءة (عمر أبي عازار) وموسيقى (جوزيف صفير) مؤلفة للعمل لا تتوقف طيلة العرض ومجموعة أجساد راقصة غير مؤطره ومنفصلة عن العرض بحركتها الطبيعية الذاتية، تبدأ بجسد واحد وتتزايد وتتواتر من خلف المسرح الى وسط المسرح في نهاية العرض. يقول مخرج العرض جنيد سري الدين: "لم تكن لدي رؤية واحدة، بل كنت بمثابة المنسق لعناصر العمل ومستوياته التعبيرية في خطوطها المنفصلة بعضها عن بعض، وحتى العناصر البصرية والمشهدية التي تعرض في الوقت نفسه، تركنا للمتلقي أن يختار ما يشاء في متابعته للعرض". وعن الأجساد الوحيدة في منتصف المسرح التي تدير ظهرها للمتلقي وترقص كمن لو كانت معزولة أو منفصلة عما يحدث من عناصر أخرى، قال المخرج سري الدين: "وحدها الأجساد تكسر الثنائيات منذ بداية تشكلها، وفي لبنان وفي كل منعطف تاريخي، وحدها الأجساد بحركتها غير المنتظمة أو المقولبة تكسر الجمود وتعلن رفضها للواقع، هكذا هي الأجساد في المسرح تحتل كل المساحة بحريتها التي تدير ظهرها لكل النصوص والصراعات والسرديات ووجهات النظر، ترقص بلا مبالاتها وتدير ظهرها لكل شيء". الامبراطور جوليان يُقتل في نهاية العرض، في سردية حكواتية ونبرة صوتية تتخلى عن حياديتها، ولتتعالى بعدها الموجات الموسيقية وتطغى على كل شيء. وحدها الأجساد تستمر راقصة، وخروج الجمهور إلزاميّ عبرها. يخرج المشاهد، يقطع المسرح أو يتوقف أو يشارك رقصاً فردياً أو جماعة.
سبق لفرقة "زقاق" أن قدمت قراءة الأجزاء الأولى من عمل هنريك ابسن التاريخي "الامبراطور والجليلي"، وهو العمل الملحمي الأكثر جدلاً وقرباً من الكاتب المسرحي والشاعر النروجي واعتبرها من اهم أعماله. كتب إبسن "الامبراطور والجليلي" في ألمانيا بين العامين 1868 و1873 وهي تقع في قلب مسيرته الدرامية. كتب 12 مسرحية قبلها، و12 مسرحية بعدها، وهي تمثل الفاصل الكبير بين المسرحيات الشعرية الملحمية في بدايات مسيرته وتصارعها بين المعتقد الشخصي والحكم السياسي، لكنه أضاف في هذا العمل الملحمي العمق العاطفي والشعري الذي أسس لأعماله الواقعية اللاحقة، التي أبرزت مفهوم الحرية الفردية مع أعمال مثل "بيت الدمية" وا"لأشباح" و"عدو الشعب" وغيرها.
تحت عنوان "أليسانة، تدريب على الطاعة"، كانت قراءة فرقة زقاق في العام 2012 حينما قاربت مفهوم السلطة وأنماطه السياسية والدينية وحتى المسرحية، عبر حكاية الإمبراطور الروماني جوليان واستدعائه آلهة وفلاسفة اليونان القديمة، معلناً حرية الاعتقاد وتعددية الآلهة. أما اسم المكان "اليسانة" فأُسقط في على اسم قرية في قرطبة (اسبانيا)، نُفي إليها الفيلسوف ابن رشد بعدما حاكمه الخليفة المنصور وأمر بإحراق كتبه. توازياً، عالج العمل مستوىً ثانياً من صراع السلطة مع قصة فرقة مسرحية منفية ومعزولة يتدّرب أفرادها على الطاعة، علّهم يُدجنون، قبل أن ينقلبوا على مخرجهم ويتساوى مصيره مع مصير الإمبراطور المرتدّ.
الامبرطورية الثالثة
تقدّم فرقة "زقاق" النسخة الجديدة من "الامبراطور والجليلي" هذا الأسبوع، تمر عبر الرجل التاريخي "جوليان" وتتجاوز وثنيته لتقارب مبدأ التوحيد والثنائيات التي حكمت وتحكم عالمنا، لتسأل عن مفهوم التعدّد والواحد والتعدّد في الواحد. سؤال يسري على العرض وأدواته وعناصره كما يسري على العمل التاريخي ودراماتوجيته المعاصرة (عمل جماعي من كتابة وأداء: لميا أبي عازار، مايا زبيب، عمر أبي عازار، محمد حمدان، جنيد سري الدين) ومقاربته مع المحلي الغارق بمحليته. وإذا كان في "اليسانة، تدريب على الطاعة" انقلاب ممثلين على مخرج مسرحي، فإن الانقلاب في "الإمبراطورية الثالثة" أتى على المسرحة والمسرح. الممثلون محايدون يخلون مساحة المسرح ويجلسون في وضعيات المشاهدين وبالقرب منهم. يقرأون بحيادية ومن زوايا واهتمامات مختلفة. يعلقون على الأحداث برؤى مختلفة بعضها. منها السياسي والنفسي والنسوي والجمالي. يتقاطعون وينفصلون. يتحررون من مقاعدهم ويعودون. يخلطون بين العام والخاص بين النص الأصلي والنص التأويلي وبين ذاتيتهم ومزاجيتها.
يبدأ العرض بمحاولة قراءة النص الأصلي والملاحظات التي تركها الدراماتورج واختفى في احدى تظاهرات رياض الصلح وقد انطلق من ثنائيات البلد التي نعيش ومفرداتها ومصطلحاتها اليومية التي نتعايش معها بدءاً من الكيان والدولة والأحزاب والحكم وحتى بالموارد الطبيعية التي نعيش يومياتها تاركاً آخر ثنائية وتحتها خطين: انفجار مرفأ.
في العرض مجموعة سرديات لا تجمعها فكرة واحدة، عناصر مشهدية من قراءات مؤدين ونصوص على الجدار(تصميم مايا الشامي) وصور فيديو(رانيا الرافعي) واضاءة (عمر أبي عازار) وموسيقى (جوزيف صفير) مؤلفة للعمل لا تتوقف طيلة العرض ومجموعة أجساد راقصة غير مؤطره ومنفصلة عن العرض بحركتها الطبيعية الذاتية، تبدأ بجسد واحد وتتزايد وتتواتر من خلف المسرح الى وسط المسرح في نهاية العرض. يقول مخرج العرض جنيد سري الدين: "لم تكن لدي رؤية واحدة، بل كنت بمثابة المنسق لعناصر العمل ومستوياته التعبيرية في خطوطها المنفصلة بعضها عن بعض، وحتى العناصر البصرية والمشهدية التي تعرض في الوقت نفسه، تركنا للمتلقي أن يختار ما يشاء في متابعته للعرض". وعن الأجساد الوحيدة في منتصف المسرح التي تدير ظهرها للمتلقي وترقص كمن لو كانت معزولة أو منفصلة عما يحدث من عناصر أخرى، قال المخرج سري الدين: "وحدها الأجساد تكسر الثنائيات منذ بداية تشكلها، وفي لبنان وفي كل منعطف تاريخي، وحدها الأجساد بحركتها غير المنتظمة أو المقولبة تكسر الجمود وتعلن رفضها للواقع، هكذا هي الأجساد في المسرح تحتل كل المساحة بحريتها التي تدير ظهرها لكل النصوص والصراعات والسرديات ووجهات النظر، ترقص بلا مبالاتها وتدير ظهرها لكل شيء". الامبراطور جوليان يُقتل في نهاية العرض، في سردية حكواتية ونبرة صوتية تتخلى عن حياديتها، ولتتعالى بعدها الموجات الموسيقية وتطغى على كل شيء. وحدها الأجساد تستمر راقصة، وخروج الجمهور إلزاميّ عبرها. يخرج المشاهد، يقطع المسرح أو يتوقف أو يشارك رقصاً فردياً أو جماعة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


