2026-11-05
بث مباشر
إعلان
عاجل
محسن رضائي يسلّم بوتين رسالة من خامنئي• “اليونيفيل” تعلن موعد بدء انسحاب قواتها من لبنان• جامعة USEK تطلق مؤتمرها الأول حول الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي• دعت إليها النقابات.. فرنسا تستعد لموجة تظاهرات جديدة• الحصيلة التراكمية للعدوان: 4390 شهيدا و 12429 جريحا• مشاهد نشرها الجيش الإسرائيليّ من الجنوب… عثر على وسائل قتالية وفتحة نفق• وزيرة التربية بحثت والنائبة عز الدين في أوضاع المدارس والثانويات في الجنوب والنبطية• “الوفاء للمقاومة”: سلوك السلطة الكارثي لم يجلب الا المزيد من الخراب والدمار في لبنان•
المتفرقات

راناجيت غوها... الأكاديمي المغمور الذي وضع نهاية للتاريخ العالمي

وك

وكالات

06 أيار 2023

راناجيت غوها... الأكاديمي المغمور الذي وضع نهاية للتاريخ العالمي
إعلان
يوم 28 نيسان/ابريل الماضي، وقبل شهر واحد من عبوره عتبة المئة عام، رحل المؤرخ الهندي راناجيت غوها، في فيينا وودز، بالنمسا، محل إقامته الطويلة بعد تقاعده من التدريس. يوضع اسم غوها جنباً إلى جنب من سبقوه من رواد التأريخ من أسفل، وبالأخص الماركسيين والماركسيين الجدد البريطانيين، وعلى رأسهم إريك هوبزباوم، وبالقدر نفسه تُعدّ أعماله في معية كتابات إدوارد سعيد بين الأكثر إلهاما في حقول النقد ما بعد الكولونيالي. وإن كان هذا موقعه في الانعطافات الإبستمولوجية الأكبر في النصف الثاني من القرن الفائت، فإن "دراسات التابع" (subaltern studies) التي صك اسمها اهتداء بالمصطلحات الغرامشية، تحتل بفضله مكاناً مماثلاً، عند تقاطعات التاريخ الشعبي مع الأنثروبولوجيا ما بعد الكولونيالية. فالتاريخ الذي سعى غوها لتدوينه كان معنياً بالتصدي لطريقتين لكتابة التاريخ، التاريخ الاستعماري في استلابه لماضي المستعمرين، ومعه التاريخ القومي النخبوي المعني بآثار القادة وزعماء التحرر الوطني وهيئاته السياسية الكبرى. وذلك لصالح تاريخ آخر، محلي وقاعدي، وبأنثروبولوجيا تاريخية معنية بتذكر الحياة اليومية للمهمّشين في الماضي، وبكتابة تستلهم الأدب وتلتفت إلى الشعراء، حتى تتعلم كيف تمثل اللحظة التاريخية في اللغة.
إن كان هيغل قد وضع قاعدته الأولى "لا تاريخ من دون كتابة"، ومن بعدها قاعدته الشرطية "لا تاريخ من دون دولة"، صانعاً من الهنود "شعباً لا تاريخ له" مع غيرهم من الآسيويين، وبالتالي صنفاً أدنى من البشر، فإن مشروع غوها انصب على دعوة هؤلاء المستعمرين لاسترجاع ماضيهم الذي تم الاستيلاء عليه بإسم الفتح، وعلى التصدي للتواطؤ الذي مارسته أنماط المعرفة الغربية، من فقه اللغة وعلم الأعراق وحتى الاقتصاد. تواطؤ الفلسفة بوصفها أعلى درجات التجريد، سيكون أيضاً من أهداف نقده، بغية وضع حد لمشروع التاريخ الهيغلي، "الروح في التاريخ"، أي التاريخ الكلي أو العالمي المقصور على الشعوب الأوروبية بحسب الفيلسوف الألماني.
"لا يمكن للمرء أن يكون مثقفاً من دون أن يكون سياسياً"، هذا ما يخطه غوها، إلا أن مبحثه التاريخي لا يكتفي بالاقتران بعمله السياسي المعني بالحاضر، بل ينطلق دائماً من تجربته الشخصية. فالكتاب الأول لغوها المولود في إحدى قرى البنغال لأسرة من الملاك الزراعيين، والمعنون "مبدأ الملكية في البنغال" (1963)، يركز على تاريخ الاقتصاد السياسي لنظام الزميندار الذي أقره الاستعمار البريطاني، والذي يشار إليه بنظام "إقطاع الإقطاع". وفي هذا الكتاب لا يتصالح غوها مع تناقضات تنشئته ابناً للسادة بين أبناء الفلاحين الأقنان، بل يكشف أيضاً كيف استعان المستعمرون ببُنى إقطاعية ما قبل حديثة لفرض سيطرتهم الحديثة، ولماذا لا يجب اعتبار الفارق الاستعماري أمراً عارضاً بل في القلب من تشكل الحداثة الغربية ومعارفها.
في وقت مبكر من شبابه، انخرط غوها في الحزب الشيوعي الهندي، وسيمنعه نشاطه السياسي من التخرج من جامعة كلكتا بتقييمات مشرفة. في العام 1947 سيسافر إلى باريس ليقضي ست سنوات في تنظيم الفعاليات وبناء شبكة من العلاقات السياسية، وخلال هذه الفترة النشطة سيسافر بهويات مزيفة إلى أوروبا الشرقية وشمال أفريقيا وغرب آسيا، وبعد شهور قليلة من اندلاع الثورة الماوية، سيخترق سيبيريا بالقطار قاصداً بكين. وستترك تلك الرحلة الأخيرة، أثراً بالغاً في ميله تجاه الماوية. إلا أن شهر العسل الأحمر ينتهي في العام 1956، حينها غادر الحزب احتجاجاً على الغزو السوفياتي للمجر. تلك النزاهة ستساهم بقدر كبير في تحديد مساره الأكاديمي المتعثر. فبعد العودة إلى الهند، سيعجز عن متابعة الدكتوراه، مع عدم اقتناع المشرف على رسالته بمنهجه الخاص في البحث. ولاحقاً ستقوم جامعة باريس برفض رسالته أيضاً.
بطول عقدَي الستينيات والسبعينيات، متنقلاً بين جامعتي مانشستر وساسكس الإنكليزيتين، سيعيش غوها في منفى اختياري، معزولاً عن مجتمع المؤرخين، وهو يتجنب المؤتمرات الأكاديمية، وبإنتاج هزيل لا يتعدى مراجعات لعدد قليل من الكتب. سيأتي الإلهام من الهند ومسرحها السياسي المضطرب، ففي عودة بحثية إلى دلهي بين العامين 1970 و1971، وبعد اتصاله مع الطلبة الماويين في جامعتها، سيدفعه الاصطدام بالواقع المابعد استعماري لبلاده وانتفاضاتها الريفية، إلى تحويل مشروعه الفكري. فبدلاً من الاشتغال على دراسة عن غاندي كما كان مخططاً، سينكب على بحث حول التمرّدات الفلاحية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وستكون المحصلة كتابه المرجعي "جوانب أساسية من تمرد الفلاحين في الهند الاستعمارية" (1983). سيستمر غوها في تمهله وترويه ووتيرة إصدارته الشحيحة، فبالإضافة إلى كتابين آخرين، هما "سيطرة دون هيمنة" (1997) و"التاريخ عند نهاية التاريخ العالمي" (2003) لا تُذكَر له إصدارات رئيسة أخرى.
بلا شك، يظل صدور المجلد الأول من سلسلة "دراسات التابع"(1982) من تحرير غوها، هو النقطة الأكثر جوهرية في تاريخه المهني. كانت فكرة سلسلة المختارات قد اختمرت في لقاءات في بيته في مدينة بريتون الإنكليزية، مناقشات مسائية بين أكاديمي مغمور على وشك التقاعد وعدد من المبتدئين يصغرونه بربع قرن على الأقل. في نهاية الثمانينيات، وبعد تقاعده من التدريس في جامعة أستراليا الوطنية، سينال غوها الاعتراف الأكاديمي أخيراً، بوصفه رائد أهم المشاريع ما بعد الكولونيالية المؤسسة في المقام الأول على كتابة التاريخ.
لعل تأبيناً على هذه الشاكلة لم يكن ليُرضي غوها تماماً، وكان الأَولى الكتابة عن بغضه للشتاء الرمادي الطويل في إنكلترا، أو واحدة من القصص الطريفة عن علاقته بالطعام من بين ما روته زوجته الأنثروبولوجية النمساوية ميشستهيلد غوها في مذكراتها، أو ربما كان الأجدر أن نعيد قراءة واحدة من أوراقه البحثية، مثل "موت شاندرا" تلك التي يجمع فيها شذرات عن فلاحة من البنغال، عاشت وماتت في القرن الثامن عشر.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة