لماذا نستذكر الحرب؟ لماذا نكتب عنها ونؤلف الأغاني ونصنع الأفلام؟ لماذا ندوّنها ونوثّقها وننشر عنها كتباً ونقيم حولها معارض وندوات؟حول العالم، وعلى مرّ التاريخ، أحيت الشعوب ذاكرة الحروب لأسباب عديدة: التطهر، البَوح، الانحناء الصادق الخفِر أمام عذابات بشرية، في الماضي والحاضر. تضميد الجراح في الأجساد والذاكرات والأرواح. الندامة، الاتعاظ من التجربة منعاً لتكرارها. أو "احتفالاً" -رغم الخسائر- بنتائج الحرب، من قبيل التحرر والاستقلال وإنشاء دول حديثة ونُظُم حكم أكثر عدالة وديموقراطية. وغالباً كتحية لأبطالها/ضحاياها من مقاتلين وقتلى ومعوقين ومختفين ومتضررين ونازحين. حروب عالمية ومحلية. ثورات انقلبت دموية وإقصائية وظالمة. وصراعات امبريالية وحدودية أُعيد استحضارها، كل مرة بشكل ولون: أبيض/أسود، أو رمادي عميم، أو حتى ملوّن بالحريات المُكتسبة بأغلى الأثمان. لكن لبنان، الذي تمرّ عليه ذكرى حربه الأهلية في 13 نيسان، فيما يرزح تحت أزمة شاملة وخانقة، يجعل الأسئلة والمقاربات أعلاه أصعب مما تبدو عليه.فالحرب، كي نستذكرها، يفترض أن تكون قد انتهت. وهذا ما لا يستطيع أي لبناني، مهما خاتل وراوغ، الجزم به. الأزمة-المأساة الراهنة، ومثلها أزمات سياسية وأمنية توالت بالمفرق على البلد وأهله منذ التاريخ الرسمي لوقف الحرب قبل عقود ثلاثة، ليست سوى استمرارية للحرب وزعمائها ومليشياتها ومافياتها وطوائفها. لا يهم أن الميزان انقلب من سطوة طائفة إلى أخرى، من غلبة فريق إلى آخر. بل إن هذا التفصيل، في حد ذاته، دليل على أن الملحمة العفنة لم تنتهِ... وأن فترات السِّلم لم تكن سوى هدنات.الحرب، كي نستذكرها، يجب أيضاً أن تكون قد تحولت إلى ملف قضائي، أو على الأقل معنوي وشعبي، رصين. الهدف منه المحاسبة والمساءلة العلنيّان، الاعتذار والعدالة بالعقاب والإشهار وإعلان المصائر وإقصاء كل مَن شارك مِن الحُكم، ثم بعد ذلك المصالحة بدلاً من العفو. عندها، وعندها فقط، تُطوى الصفحة، مع إبقاء هوامشها مفتوحة كمساحة مُتحفيّة، وفضاء لفضفضة المبدعين ومناهج الدراسة والبحث. لكن، ليس في لبنان الذي ما زال يستطيع جَمع الأضداد: المُراوحة والذاكرة، ثقافة السِّلم في صيرورة الحرب، المراجعة والنقد والحِداد العلاجي مع خطاب التحريض والتسويف وألاعيب الحواة، الذي تعلو نبرته وتهبط، وتتغير شخوصه وفقاً للاستثمار في وقف إطلاق نار فصامي وفاسد.ذكرى اندلاع الحرب، كي توائم شعار "تنذكر تَ ما تنعاد"، يلزمها أكثر بكثير من أن تُكنَس تحت عشب ملعب كرة قدم، حيث دعت لجنة الشباب الرياضة النيابية إلى مباراة بين النواب عشية 13 نيسان 2023. شعار "تنذكر تَ ما تنعاد"، الذي أحيت به "حقنا نعرف" و"لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" أول تظاهرة مدنية جامِعة وعالية الصوت بعد اتفاق الطائف، في 13 نيسان 2000، للمطالبة بدولة وإجابات حقيقية وقانونية وسياسية حول المخطوفين والمفقودين من الطوائف كافة ولدى قواها السياسية والمليشيوية كافة.. هذا الشعار الصائب كسهم حر في معناه وصداه، عاش وظل يرنّ، إنما مثل حلم فوق-واقعي، بل وفوق-وطني، طالما أن الوطن كان ولا يزال يُدار و"يُحَبّ" بالعقلية نفسها. إذ حلّت الحصص، في الدولة والأمن والإعلام والتشريع والتعليم والطبابة والبزنس، بدلاً من مربّعات جغرافية مسيجة بخطوط تماس ومحمية/محتلة بالسلاح والإيديولوجيا وشبيحة من طل صنف وهوية.لم تمُت الحرب اللبنانية كي نذكُرها أو نحييها. بل هي حيّة أكثر من اللبنانيين جميعاً، وفي قدمَيها طاقة ركل أكثر من عشرة فرق كرة قدم. هي الرواية التي لم تحظ بنقطة النهاية.. الفيلم، الأغنية، اللوحة الممتدة، قيد العمل. شخصية تعيش بيننا، أو بالأحرى نعيش بين ثناياها، وكل تطابق بينها وبين الواقع لا صدفة فيه ولا خيال. يوم 13 نيسان ليس ذكرى الحرب اللبنانية، بل يوم ميلادها الذي يجعلها هذا العام ابنة 48 عاماً، وربما 148 عاماً، بحسب سجلات قَيدٍ لم ينكسر.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


