الأخوان ريمون وتيدي رحمة ليسا فريدين. لم يقترفا ما هو خارج المألوف اللبناني. وعلى الأرجح، بوصفهما رجليّ أعمال ومقاولين، كان بإمكانهما ممارسة التجارة والاستثمار وتنفيذ المشاريع بجدارة وعلى نحو سليم وقانوني. لكن ذلك كان سيجعلهما فاشلين في نظام اقتصادي-سياسي مترابط قائم على اللصوصية. ما كنا لنسمع باسميهما لولا "نجاحهما"، أي قبولهما العمل بمهارة وفق ما يمليه ذاك النظام الذي استحق صفة "المناهبة". مسلسل الشبهات (والفضائح) الذي ربطهما بمقاولات الدولة ووزاراتها، والأهم بما يسمى "زعماء"، هو أيضاً ليس خاصاً واستثنائياً بالأخوين. فعلى نحو أو آخر، يشبه أسلوب عمل الأخوين رحمة الأغلبية الساحقة من "مشاهير" المستثمرين والمقاولين ورجال الأعمال الناجحين جداً في لبنان، أي أولئك الذين يملكون نفوذاً لا يتيح لهم فقط الاستحواذ على الصفقات الكبرى، بل احتكار العمل في هذه المجالات أصلاً. فهل يمكن تخيّل مقاولين ورجال أعمال ومستثمرين يمكنهم العمل والمنافسة ودخول السوق من دون "صداقة" أو بالأحرى شراكة هذا الزعيم أو ذاك الرئيس، ومن دون ميزانية معتبرة للرشى و"التبرعات" وتمويل الخدمات الانتخابية والبلدية، وصولاً إلى "الهدايا" الباهظة؟ هذا شبه مستحيل.هكذا تقوم معادلة "التغذية" المرتجعة: فساد سياسي وفساد إداري وفساد مالي وفساد اقتصادي وفساد قضائي، يغذي بعضه البعض على نحو تراكمي متصاعد.. إلى حد الانعدام الأخلاقي التام. الفساد واللصوصية يتحولان أسلوباً وحيداً للبقاء على قيد الحياة، حتى بالنسبة لبائع سندويش فلافل. القانون يُترك للمغفلين فقط.بغض النظر عن المقاصد الأميركية في فرض العقوبات على آل رحمة، إلا أن الحيثيات التي بررت تلك العقوبات معروفة لدى اللبنانيين منذ زمن طويل. وهي تماماً كالفضائح المشابهة التي التصقت برجال أعمال من طينة جهاد العرب وداني خوري مثلاً.. أو حتى حسن مقلد. ورغم اختلاف مجال العمل ونوعيته إلا أن ذلك لا يمنع أن تضم اللائحة أشخاصاً رفيعي المستوى على مثال نوح زعيتر وحسن دقو.
ولتكتمل اللوحة التي ترسم ذاك النظام الاقتصادي-السياسي اللصوصي، سنجد بالمقابل لائحة قرينة ومماثلة، تضم سياسيين من طراز جبران باسيل وعلي حسن خليل ويوسف فنيانوس. بل أن ثمة شكوكاً قوية ومشروعة لدى اللبنانيين تجاه الأميركيين لعدم ضم لائحة السياسيين المعاقبين عدداً أكبر بكثير. فالمعاقبون أنفسهم يسألون "لماذا نحن فقط دون الآخرين؟". وهذا أيضاً لسان حال أتباعهم ورعاياهم، كأن يقولوا: لماذا زعيمنا وحده؟ فحسّ العدالة عند هؤلاء بالمقلوب دوماً. وإذا جمعنا كل ذلك إلى قضايا رياض سلامة مثالاً لا حصراً، والدعاوى المرفوعة على المصارف اللبنانية ورؤساء مجالس إداراتها، ناهيك عن الأخبار اليومية المتعلقة بصاحب هذا الدكان أو ذاك السوبرماركت، أو عصبة الصرافين غير الشرعيين، أو بما حدث ويحدث في الدوائر العقارية، ومصلحة تسجيل الآليات، كعينة ممتازة عن الإدارات الرسمية، ومعها أيضاً ما أشار إليه وكيل وزارة الخزانة الأميركية عن "مافيا المولدات"، التي توازيها مافيات الدواء والطحين والمخدرات والاتجار بالبشر والتهريب وتزوير العملات، وكل ما هو قابل للتجارة والمقايضة والتربح، حيث هناك تنتظرهم المافيا الكبرى المتمثلة بمنظومة "تبييض الأموال" وتهريبها.. تكتمل لدينا الصورة البديعة للنظام اللبناني وللأخلاقيات التي تديره وتدبره. يحدث هذا، فيما القضاء اللبناني يظهر فعاليته وحسب على صحافيين يقترفون خطيئة إشهار التهم والمطالبة بالعدالة! وربما استفز وكيل وزارة الخزانة الأميركية هذا القضاء حين انهى مطالعته وسرده لوقائع الفساد الفاقع في ملف الكهرباء (واحدة من أضخم السرقات في العالم، تضاف إلى الأكبر في التاريخ: ملف المصارف) واتهاماته للأخوين رحمة، وهي بمثابة إخبار، قائلاً عن التبعات القانونية "إن الأمر متروك للنظام القضائي اللبناني".
بالطبع يدرك الأميركيون، والفرنسيون، والأمم المتحدة برمتها، واقع القضاء اللبناني الذي تجسّد في قضية انفجار مرفأ بيروت. وهي القضية النموذجية عن الترابط المافيوي الميليشياوي الإجرامي بين كبار السياسيين ورجال الأعمال والأمن والقضاء.العقوبات الأميركية لن تجلب العدالة ولا المساءلة والشفافية إلى لبنان، إنها مصممة لتبرئة ذمة الإدارة الأميركية تجاه نظامها القضائي والأخلاقي ورأيها العام، وعلى الأرجح للاستثمار السياسي أكثر. هذا شأنهم.
أما فيما يخصنا، فأغلب الظن، أننا سنتذاكى في التساؤل المبتذل: "لماذا فلان دون فلان؟ لماذا بهذا التوقيت؟ ما الأهداف الأميركية من وراء العقوبات؟" كاستمرار لفساد نظرتنا إلى العالم وإلى السياسة وإلى معنى الحقيقة والعدالة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


